لم يكن تعيين مراقب الدولة مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان خطوة سياسية محسوبة بعناية من قبل بنيامين نتنياهو، تكشف عن رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة وتمتد إلى ما بعد الانتخابات المقبلة. الطريقة التي حوّل بها نتنياهو تصويتًا بدا خاسرًا إلى انتصار بفارق 61 صوتًا ليست مجرد مهارة سياسية، بل رسالة واضحة مفادها أن الرجل لا يزال قادرًا على فرض إرادته داخل النظام السياسي، حتى عندما تتصدع جبهته الداخلية.
نتنياهو لم يكن يسعى فقط إلى تثبيت مرشحه، بل إلى تثبيت فكرة أن “الجبهة اليمينية ما زالت متماسكة”، رغم كل الشروخ التي ظهرت في الأسابيع الأخيرة. لقد أراد أن يبرهن لجمهوره، ولخصومه، وللمترددين، أن معسكره قادر على الانضباط عندما يتطلب الأمر ذلك، حتى لو احتاج الأمر إلى ضغوط مكثفة واتصالات في اللحظات الأخيرة. هذا الانتصار الضيق لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل أداة لتعزيز صورة السيطرة التي يحاول نتنياهو الحفاظ عليها بأي ثمن.
لكن الأهم من ذلك هو البعد الاستراتيجي طويل المدى. نتنياهو يدرك أن الانتخابات المقبلة قد لا تكون في صالحه، ولذلك يسعى إلى ترك شبكة من التعيينات المحصّنة داخل مؤسسات الدولة: رؤساء أجهزة أمنية (الموساد والشاباك) لا يمكن إقالتهم بسهولة، رئيس سلك خدمات الدولة، والآن مراقب دولة جديد. هذه ليست مجرد تعيينات، بل هي عملية بناء نفوذ مؤسسي يضمن استمرار تأثيره حتى لو خرج من الحكم. إنها محاولة واضحة لتحويل المناصب الرقابية إلى أدوات سياسية، وهو ما يهدد جوهر استقلالية المؤسسات في دولة تدّعي أنها ديمقراطية.
التوقيت نفسه ليس بريئًا. نحن على أبواب انتخابات، والاحتمالات مفتوحة، ونتنياهو يسابق الزمن لتثبيت رجاله في مواقع حساسة قبل أن تتغير الخريطة السياسية. تعيين مراقب الدولة في هذا التوقيت يحقق له ثلاثة أهداف: تعزيز صورته داخل معسكره، إرسال رسالة قوة للناخبين، وبناء حصانة سياسية مستقبلية. هذه الخطوة ليست مجرد مناورة انتخابية، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم بقاءه السياسي.
إن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في الشخص الذي تم تعيينه، بل في المنهجية التي يتبعها نتنياهو: تحويل الدولة إلى شبكة ولاءات، وتفريغ المناصب الرقابية من استقلاليتها، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات الرقابية. هذا المسار يضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات، ويحوّل الرقابة إلى امتداد للسلطة بدل أن تكون رقيبًا عليها.
ما فعله نتنياهو ليس مجرد تعيين، بل إعلان نوايا سياسية واضحة: حتى لو خسر الحكم، لن يخسر النفوذ. وهذا ما يجب أن يقلق كل من يؤمن بأن الدولة يجب أن تكون فوق الأشخاص، وأن المؤسسات يجب أن تبقى مستقلة، وأن الديمقراطية لا تُدار عبر الولاءات بل عبر الشفافية والمساءلة.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency