أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الاثنين 16) عن تثبيت وقف اطلاق النار في وضعيته الحالية في لبنان. وعن موافقة إسرائيل وحزب الله على "وقف إطلاق النار – وبأن إسرائيل لن تهاجمهم وهم لن يهاجموها" وأضاف بأنه تحدث مع نتنياهو وبأنه لن يتواجد جنود إسرائيليون في بيروت بل أن الجنود الذين كانت بيروت وجهتهم تمت إعادتهم". وفقا للمصادر اللبنانية فإن حزب الله وافق على وقف إطلاق النار مقابل امتناع إسرائيل عن قصف الضاحية.
يأتي اعلان ترامب بصفته صاحب القرار الحقيقي في خضم تصعيد خطير من شأنه في حال عدم إيقافه ان يتحول الى اجتياح إسرائيلي شامل للبنان، وأن تتحول الجبهة الشمالية لتكون منطلقا لحرب شاملة تطال الجبهة الداخلية الإسرائيلية. فيما يكون لبنان شعبا ودولة في خضم مخاطر جمة تهدد سيادة البلاد وتكاملها. فيما نشر نتنياهو تغريدة مفادها بأنه تحدث مع ترامب وأكد له بأنه اذا واصل الحزب استهداف المدن والمواطنين الإسرائيليين فإن إسرائيل ستهاجمه في بيروت، فيما سيواصل الجيش عملياته في جنوب لبنان.
شهدت الأيام الماضية تصعيدا جوهريا اذ تحولت الجبهة اللبنانية الى الجبهة الرئيسية التي تشغل المجتمع الإسرائيلي والرأي العام، باعتبارها حرب استنزاف مقلقة اسرائيلياً ومكلفة بشرياً وماديا، فيما تتصاعد حالة الغضب الشعبي على الحكومة الإسرائيلية التي يتم اتهامها بالمسؤولية عن الانتكاسة الأمنية.
في المقابل وبعد ان قام بجولة تفقدية في الجبهة الشمالية (315) أكد رئيس الوزراء نتنياهو على أن الجيش يحقق إنجازات هائلة وفقا له، وأن الحسم العسكري قيد التنفيذ، كما توقف الاعلام الإسرائيلي عند تصريحه بأن إسرائيل في طريقها للقضاء على حزب الله والى توسيع نطاق هجماتها في لبنان وبأنّ الأمر "سيستغرق وقتا"، فيما هدد وزير الامن كاتس بقصف بيروت تحت مسمى "قصف كريات شمونة سيقابله قصف بيروت".
توقف الاعلام الإسرائيلي عند التحذيرات الإيرانية بأن التصعيد على الجبهة الشمالية الإسرائيلية مع لبنان سوف يعوّق على التوصل الى اتفاق امريكي إيراني بوقف الحرب. فيما التقديرات بأن المستوى السياسي الإسرائيلي يخشى هذا الربط لكونه سيجعل حكومة نتنياهو تبدو مهزومة، وبأن قرارها رهن للمحادثات الامريكية الايرانية
احتلال الجيش الإسرائيلي لقلعة الشقيف هو موضع نقاش إسرائيلي اعلامي، فهل القلعة هي موقع استراتيجي عسكريا ام معنويا، ويعود الامر الى العام 1982 حين تفاجأ رئيس وزراء إسرائيل آنذاك مناحيم بيغن ووزر الامن ارئيل شارون، من ان المقاتلين الفلسطينيين ال37 الذين تخندقوا في القلعة وتصدوا للاجتياح الإسرائيلي الشامل لم يستسلم أيّ منهم كما توقعت القيادة السياسية الإسرائيلية بل حاربوا حتى الرمق الأخير، واعتبرتها الأدبيات الإسرائيلية انتكاسة في حينه ولاحقا سلّمتها الى جيش جنوب لبنان والذي انهار مع انسحاب إسرائيل في العام 2000 من لبنان. فيما احتلال القلعة حاليا يحظى بوزن معنوي كبير ويعود ذلك الى حرب الرواية والتفتيش من قبل نتنياهو عن "صورة انتصار".
في هذا الصدد فإن الهدف الاستراتيجي وفقا للتحليلات الأمنية الإسرائيلية هي مدينة النبطية وتلّة النبطية. كما هناك هدف اخر وهو السعي الى تفكيك مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ضمن مخطط أوسع للقضاء على قضية فلسطين بعد استهداف المخيمات في غزة والضفة واستهداف الاونروا.
بخلاف الرأي العام الإسرائيلي الغاضب على نتنياهو بسبب المأزق في لبنان وتراجع الشعور بالأمن إضافة الى شعور الخذلان كما يعبر عنه رؤساء بلديات البلدات الشمالية، فإن المعادلة الحالة التي أتى بها ترامب، انما تعزز الموقف الإسرائيلي لأنها تقوم على وقف اطلاق النار مقابل عدم قصف الضاحية وفعليا ترسخ حاليا التواجد العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني وتخرجه رسميا من اعتبارات وقف النار حتى ولو مؤقتا والى أجل غير مسمى. صحيح ان وقف إطلاق النار السابق اعتمد على اخراج البقاع وبيروت من إطلاق النار، الا ان الصيغة الحالية ترسخ اتاحة إطلاق النار في الجنوب وبقاء الجيش الإسرائيلي.
الموقف الأمريكي كما عبر عنه ترامب يولي الأهمية الأكبر الى الملف الإيراني وانهاء هذا الملف، ليتفرغ لاحقا للملف اللبناني الذي يحظى بوزن متزايد في الأولويات الامريكية في المنطقة حيث تقف واشنطن وراء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وترعاها.
في الخلاصة؛ قوبل اعلان ترامب بتجديد فترة وقف إطلاق النار في لبنان بالصدمة في الأوساط الإسرائيلية الرسمية والأمنية والشعبية، كما يشكل ترسيخا لمصادرته للقرار الإسرائيلي السيادي، ومن شأنه أن يضعف نتنياهو الذي يرى به إنجازا إيرانيا في لعبة التجاذب مع الولايات المتحدة.
ربط وقف إطلاق النار بعدم قصف بيوت والضاحية، يشير الى ان الصورة العامة في لبنان تميل عسكريا لصالح إسرائيل ولصالح ترسيخ تواجدها العسكري في الجنوب. فيما تبقى هذه المعادلة هشّة اذ شهدت الجولة السابقة من وقف النار غارات محددة على الضاحية ضمن ما أطلق عليه الاستهداف العيني.
اعلان نتنياهو بأن الانتصار الإسرائيلي الساحق يحتاج الى وقت، هو تصريح قد يزعزع وضعية نتنياهو السياسية اذ يدعو الإسرائيليين الى الاستعداد لحرب استنزاف قاسية وطويلة الأمد ولا من مؤشرات لحسم الأمور عسكريا وحصريا مع غياب أي افق سياسي بل يتحدث الرأي العام الإسرائيلي عن الحرب الحالية باعتبارها "حرب وقف اطلاق النار"، تعبيرا عن تراجع في الثقة بالحكومة وادارتها للحرب وخضوعها لترامب.
الموقف الأمريكي كما عبر عنه ترامب يولي الأهمية الأكبر الى الملف الإيراني وانهاء هذا الملف، ليتفرغ لاحقا للملف اللبناني الذي يحظى بوزن متزايد في الأولويات الامريكية في المنطقة حيث تقف واشنطن وراء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وترعاها، ولن ترهن هذا الملف في أيدي نتنياهو. في موازة ذلك من اللافت ان معظم التصريحات الامريكية والإيرانية لا تتحدث عن سيادة الدولة اللبنانية.
يبدو ان نتنياهو يخسر سياسيا وانتخابيا في الرهان على الملف اللبناني غير القابل للحسم عسكريا، وقد تكون إدارة ترامب معنية بذلك سعيا لهندسة السياسة الإسرائيلية الداخلية بما يخدم أولوياتها أكثر من نتنياهو.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency