نتنياهو: زعامة تُصنع في الأزمات وتُدار من الخارج

محمد دراوشة
نُشر: 01/06/26 22:50

في كل مرة يجد فيها الشرق الأوسط نفسه على حافة انفجار جديد، يظهر بنيامين نتنياهو في قلب المشهد، ليس بوصفه صانعاً للحلول، بل كمن يدفع نحو مزيد من التوتر، ثم يسوّق هذا التوتر كإنجاز سياسي. ورغم الصورة التي يحاول ترسيخها عن نفسه كقائد مستقل، فإن الوقائع تكشف علاقة معقّدة تربطه بالبيت الأبيض، علاقة تتأرجح بين التبعية السياسية والمناورة التكتيكية.

لقد وثّقت تقارير عديدة كيف كانت واشنطن، في عهد الرئيس دونالد ترامب، تضبط إيقاع تحركات نتنياهو العسكرية. ففي تقرير لصحيفة The New York Times بتاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2020، جاء أن “ترامب طلب من نتنياهو التراجع عن خطوات عسكرية كان يخطط لها ضد إيران، خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة”. هذا النوع من التدخل يكشف حدود الحركة التي يمتلكها نتنياهو، مهما حاول إظهار العكس.

ومع ذلك، نجح نتنياهو في دفع الولايات المتحدة إلى حافة صدام مباشر مع إيران، صدام لم يكن جزءاً من أولويات واشنطن، لكنه أصبح واقعاً سياسياً بفعل الضغوط التي مارسها نتنياهو عبر خطاباته وتحذيراته. وقد وصف الباحث الأميركي تريتا بارسي في كتابه Losing an Enemy هذا النهج بقوله: “نتنياهو يتقن خلق الأزمات ثم إقناع الآخرين بأنهم وحدهم القادرون على حلها”. هذا الأسلوب لم يجرّ المنطقة فقط إلى توترات أمنية، بل تسبب أيضاً في اضطرابات اقتصادية عالمية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط وتذبذب الأسواق.

ورغم أن هذه السياسات أرهقت الولايات المتحدة وأربكت حلفاءها، فإن نتنياهو يعرف كيف يحوّل الفوضى إلى مكاسب سياسية داخلية. فهو يقدّم نفسه باعتباره القائد الذي يغيّر قواعد اللعبة، حتى لو كانت هذه القواعد تُكتب خارج تل أبيب. وقد علّقت مجلة Foreign Affairs في عددها الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بأن “نتنياهو بارع في تحويل الاعتماد على واشنطن إلى أداة نفوذ داخلية، يصوّرها كتحالف استراتيجي بينما هي في جوهرها علاقة غير متكافئة”.

لقد نجح نتنياهو في لعب دور “الرجل القوي” في الشرق الأوسط، لكنه في الوقت ذاته كشف عن حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن هذا “القوي” يتحرك ضمن حدود مرسومة، وأن صوته العالي لا يلغي حقيقة اعتماده على دعم خارجي يحدد سقف خطواته. فالقوة التي يتباهى بها ليست مطلقة، بل مشروطة، ومربوطة بخيط سياسي يمتد من تل أبيب إلى واشنطن.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن نتنياهو يمتلك قدرة استثنائية على استثمار هذا الخيط لصالحه. فهو يعرف كيف يضغط، وكيف يناور، وكيف يقدّم نفسه كشريك لا يمكن الاستغناء عنه. وربما لهذا السبب، ورغم كل التوترات، يظل قادراً على البقاء في مركز المشهد، وعلى إعادة صياغة دوره كلما ظن البعض أن زمنه السياسي قد انتهى.

في النهاية، قد ينجح نتنياهو في تسويق نفسه كبطل غيّر خرائط المنطقة، لكن الحقيقة الأعمق تبقى أن هذه “البطولة” لم تُصنع في تل أبيب وحدها، بل في ممرات البيت الأبيض وغرف القرار الأميركي. وما يبدو كقوة استثنائية ليس سوى قدرة على اللعب داخل حدود مرسومة، حدود يعرف نتنياهو جيداً كيف يختبرها دون أن يتجاوزها.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة