تزخر الفضائيات العربية والعالمية يوميا بنقل أخبار الحروب والنزاعات التي تشهدها مناطق عديدة من العالم، وتعرض على شاشاتها مشاهد العنف والقتل وسفك الدماء والأشلاء الممزقة، إضافة إلى صور البيوت المهدمة والمدارس المدمرة والمستشفيات المكتظة بالجرحى، بل إن هذه المستشفيات نفسها كثيرا ما تكون هدفا للقصف والدمار. وأصبحت هذه المشاهد القاسية جزءا من النشرات الإخبارية اليومية التي تصل إلى أسماع الأطفال وأبصارهم دون استئذان أو مراعاة لأعمارهم وحساسيتهم النفسية.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: ما هو تأثير هذه المشاهد على الأطفال الذين يتابعونها بشكل متكرر؟ وما انعكاساتها على نموهم النفسي وتكوين شخصياتهم؟ لا شك أن الطفل يتأثر بما يراه ويسمعه، وعندما تصبح صور العنف والقتل جزءا من حياته اليومية، فإنها تترك آثارا عميقة في نفسه، وقد تزرع فيه الخوف والقلق والشعور بعدم الأمان، بل وربما تجعله أكثر تقبلا للعنف باعتباره أمرا عاديا في الحياة.
وتخلق هذه المشاهد المؤلمة حالة من التناقض في عقل الطفل بين ما يتعلمه في المدرسة من قيم التسامح والمحبة واحترام الإنسان، وبين ما يشاهده على شاشات التلفزيون من قتل وتدمير وانتهاك لكرامة البشر. فيجد نفسه أمام واقع يناقض كل ما يُلقَّن له من مبادئ إنسانية نبيلة، الأمر الذي يسبب له الحيرة والارتباك ويؤثر سلبا في بناء شخصيته وقيمه.
كما أن تكرار مشاهد الدماء والدمار يصدم الشعور الإنساني لدى الطفل، ويضعف ثقته بعالم الكبار وبقدرة الإنسانية على تحقيق السلام والعدل. وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات نفسية مختلفة، مثل الخوف المزمن، والكوابيس، والتوتر، والانطواء، وفقدان الشعور بالأمل بالمستقبل.
ومع الأسف الشديد، فإن كثيرا من وسائل الإعلام لا تراعي وجود الأطفال بين المشاهدين، فتواصل بث هذه الصور المؤلمة دون تحذير أو مراعاة لآثارها النفسية. كما أن القيادات السياسية المنشغلة بصراعاتها وحروبها لا تكترث كثيراً بما تتركه هذه المشاهد من آثار مدمرة على الأجيال الناشئة.
لقد أصبح مسلسل الحروب عرضا متكررا في واقع عالمي مؤلم، وما زالت شعوب كثيرة تعيش تحت سماء ملبدة بالدخان والدماء والدموع. وبينما يتحدث العالم عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل، يبقى الأطفال هم الضحية الأكثر براءة و الأشد تضررا من ويلات الحروب.
إن حماية الأطفال من آثار الحروب ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع كله، من مؤسسات تربوية وإعلامية وسياسية وإنسانية. فالأطفال هم مستقبل الأمم، ومن حقهم أن ينشؤوا في بيئة يسودها الأمن والسلام والمحبة، بعيدا عن مشاهد القتل والدمار التي تسرق طفولتهم وتشوّه أحلامهم.
الدكتور صالح نجيدات- مدير جمعية الطور للدفاع عن حقوق الأطفال وسلامتهم
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency