تنتشر في ربوع الوطن العربي مظاهر الفساد والإهمال والأنانية والعصبية القبلية والمذهبية، ويغيب في كثير من الأحيان التخطيط السليم والرؤية البعيدة والبصيرة الحكيمة. وتزداد الصراعات والخلافات، وتتراجع قيم العدالة والتسامح والتعاون، حتى أصبح المواطن العربي يتساءل بحسرة: ألا يوجد رجل راشد في هذه الأمة يصلح شؤونها ويجمع شملها وكلمتها؟
لقد عاشت الأمة العربية خلال العقود الأخيرة أزمات متلاحقة أنهكت شعوبها وأضعفت مؤسساتها، فهُضمت الحقوق وانتشر الظلم، وسالت الدماء في أكثر من بقعة، وتفرقت الأوطان إلى معسكرات متناحرة، وأصبح الجار يعادي جاره بسبب الطائفية المذهبية المصالح الضيقة. وتراجعت قيم المحبة والإخاء التي كانت تشكل أساساً متيناً للعلاقات بين أبناء الأمة الواحدة.
وفي ظل هذا الواقع المؤلم، وجد أعداء الأمة الفرصة سانحة للتدخل في شؤونها وتمزيق نسيجها الاجتماعي والسياسي، مستفيدين من حالة الضعف والانقسام. فكلما تفرقت الصفوف، سهل اختراقها، وكلما غابت الحكمة، ازداد نفوذ الطامعين في ثروات البلاد ومقدراتها.
ومن أخطر ما أصاب الأمة أن كثيرا من أصحاب الكفاءة والخبرة والشرف أُبعدوا عن مواقع التأثير والقرار، بينما صعد المتملقون والانتهازيون وأصحاب المصالح الشخصية إلى مراكز النفوذ. فأصبح الولاء للأشخاص أحياناً مقدما على الولاء للأوطان، وحلّ التملق محل الصراحة، والمصلحة الخاصة محل المصلحة العامة، فاختلت الموازين وتراجعت معايير العدالة والكفاءة.
كما أن الفساد لم يقتصر على المال والإدارة فحسب، بل امتد إلى منظومة القيم نفسها، فأصبح بعض الناس يقيسون النجاح بما يملكه الإنسان من مال أو نفوذ، لا بما يقدمه من علم أو خلق أو خدمة لمجتمعه. فارتفعت مكانة بعض الفاسدين، بينما تعرض أصحاب الفكر والعلم والنزاهة للتهميش والإقصاء.
إن الأمة العربية لا تعاني نقصا في الطاقات والكفاءات، فهي تزخر بالعلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب الخبرة في مختلف المجالات. لكنها تحتاج إلى بيئة تحترم الكفاءة، وتؤمن بالحوار، ونبذ الفساد، وتعيد الاعتبار للقيم الأصيلة من شهامة ومروءة ونخوة وعدالة ومسؤولية.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالمشكلات وعدم التستر عليها، ومن تعزيز سيادة القانون، ومحاسبة الفاسدين، وتمكين أصحاب الكفاءة، ونشر ثقافة المواطنة والوحدة والتسامح. فالأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالعمل الجاد والإدارة الرشيدة والإرادة الصادقة.
ويبقى السؤال مطروحا أمام الجميع: هل يعتبر العرب من دروس الماضي و يستعيدون قيمهم ووحدتهم قبل فوات الأوان؟ أم أن حالة الانقسام والتراجع ستستمر فتزداد التحديات وتتعاظم الأخطار؟ إن المستقبل لا تصنعه الأقدار وحدها، بل تصنعه إرادة الشعوب حين تتمسك بالحق والعدل والعلم والعمل، وتؤمن بأن النهوض ممكن مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت المحن.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency