أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 2452026 قادة عدد من دول المنطقة بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل، بعد إبرام الاتفاق مع إيران. وفقا لموقع أكسيوس، فقد أبلغ ترامب في مكالمة جماعية مع قادة كل من السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين إنه عندما تنتهي الحرب، يتوقع منهم الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. في اليوم التالي كرر ترامب مطلبه على شكل اشتراط التوقيع على اتفاق امريكي إيراني بقيام الدول المذكورة بهذه الخطوة، ومشددا على كلّ من السعودية وباكستان والكويت.
فيما أشارت وسائل الاعلام الإسرائيلية وحصريا القناة 12 بأن ما يسمى "درّة التاج" في هذا المسعى هي المملكة العربية السعودية والضغط عليها للقبول بمعادلة تقوم على انهاء الحرب الامريكية الإسرائيلية مع ايران بالإضافة الى توابعها الإقليمية، مقابل الانضواء في الاتفاقات الإبراهيمية.
قراءة:
يشكل هذا المسعى الأمريكي في تطويع السعودية لاستحقاقات الاتفاقات الإبراهيمية، موضع إجماع بين الحزبين الجمهوري والدمقراطي، اذ سعى الرئيس بايدن أيضا اليه ولم يتحقق مراده، كما يشكل هذا المسعى أحد أهم طموحات نتنياهو في سياسته الخارجية ونظرته الإقليمية.
لغاية الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية شباطفبراير تراجع اهتمام نتنياهو بهذه العلاقة نتيجة لإدراكه بأنها لن تتحقق، وذلك لأنه شخصيا ولان إسرائيل ليست معنية بدفع استحقاقات التطبيع مع السعودية. المملكة العربية السعودية هي المؤتمنة على مبادرة السلام العربية من العام 2002، والتي تقوم على التطبيع مقابل انهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.
فيما تفيد التقديرات السعودية بأن أثر إسرائيل في المنطقة وحصريا في ظل الحكومة الحالية هي تدميري ويقوم على الحروب المستدامة، ويعبث بمصالح دول المطقة وبإرادتها بالاستقرار وعلاقات حسن الجوار. كما أنه يقوم على السعي لتفكيك قضية فلسطين وشطبها. بموازاة ذلك ترى السعودية أن أثر إسرائيل يتراجع في المنطقة نتيجة لسياساتها وبأن وضعية الولايات المتحدة تتراجع أيضا بعد أن أعلنت الحرب مع إسرائيل على إيران رامية عرض الحائط مصالح الدول الخليجية وقضية توريطها في تبعات هذه الحرب. فيما القواعد الامريكية المنتشرة في دول الخليج حصريا لم تشكل منظومة حماية بل مدعاة استهداف من إيران. في لبنان ترى السعودية أن جهودها ومصر تنصبّ في التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار واسناد الدولة اللبنانية في استعادة سياداتها تجاه الخارج وتجاه الداخل على النقيض من دور إسرائيل واحتلالها.
يبدو المطلب الأمريكي من الدول المذكورة قابلا للتطبيق في حال اقتصر على اعتبارهم ضامنين للاتفاق، وقد تكون استحقاقات مالية يطالب بها ترامب ليتجاوز من خلالها مطلب إيران من الولايات المتحدة بالتعويض. اذ ستكون كما هو متوقع معارضة حادة داخل الحزب الجمهوري وحصريا تيار أمريكا أولاً الذي يرى بالحرب على إيران بأنها تورط امريكي في حروب الاخرين، وقد امتدت تداعياتها الى تراجع كبير في شعبية ترامب يؤثر على مصير الحزب الجمهوري.
الا ان الغاية الامريكية تتجاوز الجانب المالي والضامن، بل يبدو مسعى لترميم دور ووضعية الولايات المتحدة إقليميا ودوليا بعد ان اهتزت نتيجة للحرب على ايران والاخفاق في تحقيق أهدافها وتحولها الى حرب استنزاف بنطاق امريكي وعالمي. كما أنها تعمق المبادرات الخليجية والمصرية والإقليمية في إعادة الاعتبار للأمن الإقليمي وضمن ذلك النظر في وضعية القواعد العسكرية الامريكية في الدول المذكورة، وكذلك تعزز التوجه نحو تعدد التحالفات ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب بخلاف ما تريده واشنطن.
الاختلاف الجوهري بين التطبيع وبين الاتفاقات الإبراهيمية هو ان الأخيرة تقوم على أساس تحالف إقليمي في مركزه إسرائيل مسنودة بالولايات المتحد والقيادة الوسطى للقوات الامريكية، فيما التطبيع له استحقاقات لا تريد إسرائيل الالتزام بها مثل الانسحاب من جنوب لبنان او من سوريا او من غزة. فيما تخشى إسرائيل المطالبة السعودية بأنهاء الاحتلال من العام 1967 وإقامة دولة فلسطينية. بينما تأتي مطالبة ترامب بالانضمام الى الاتفاقات الإبراهيمية مقابل توصل بلاده لاتفاق مع إيران فيها إنكار لقضية فلسطين.
تدرك الإدارة الامريكية ان المملكة العربية السعودية كانت المبادرة في العام 2025 بالشراكة مع فرنسا للمبادرة الدبلوماسية والأممية لدفع دول العالم لتبني قرار بإقامة دولة فلسطين، في إطار جدول زمني محدد وإجراءات واضحة. لاقى المسعى اعتراضا حازما من الولايات المتحدة وبطبيعة الحال من إسرائيل كما كان متوقعا. فيما سعت إدارة ترامب الى إحباط المشروع السعودي الفرنسي.
فيما ربط ترامب لإنهاء الحرب مع إيران بالاتفاقات الابراهيمية فيه دلالة على ما وصفه به معارضو سياسته في واشنطن بالضياع الاستراتيجي. فهذه الاتفاقات جوهريا هي أقرب الى الاحلاف الأمنية منه الى صنع السلام.
في الخلاصة؛ يدرك ترامب من خلال مستشاريه بأن التطبيع بين السعودية وإسرائيل غير وارد ومن المستبعد أكثر انضمام السعودية الى الاتفاقات الإبراهيمية. الا ان مطالبته بإطاعة دول المنطقة لرغبته، تبدو هي أيضا للاستهلاك السياسي، في جزئه موجّه للضغط على نتنياهو كي لا يقوم بأي فعل يعوّق انهاء الحرب مع ايران بتشعباتها الإقليمية، وقد يكون ضغطا لإحراج نتنياهو بالكف عن التمترس وراء الترتيبات الأمنة بدلا من الأفق السياسي.
إن مطلب ترامب من الدول الإقليمية موجّه أيضا الى الرأي العام في الولايات المتحدة ومفاده بأن الحرب ليست عبثية وليس حرب الاخرين بل جاءت لفتح أفقا سياسيا يحسّن من وضعية الولايات المتحدة إقليميا ودوليا وفي مجال الطاقة، وبأنها حرب من اجل السلام وفقا لمفاهيمه.
أحد المؤشرات لكون مطلب ترامب من الدول التي تحدث الى قادتها غير جدي، هو أن الرئيس الأمريكي لم ينسّق مسبقا مع أي من القادة في هذه الدول. بينما تتساوق هذه المطالب مع مواقف نتنياهو الذي يسعى الى تطبيع وضم دولا الى الاتفاق الابراهيمية دونما أية استحقاقات إسرائيلية.
كما تشير مطالب ترامب من الدول الإقليمية الى إخفاق الحرب على إيران في تحقيق أهدافها والتي تغيرت واستبدلت مع إطالة أمدها دونما الحسم في ايّ من الملفات الجوهرية؛ اسقاط النظام والملف النووي والصاروخي والتنظيمات المسنودة من ايران، بالإضافة الى تحولها الى حرب استنزاف حول الطاقة ومضيق هرمز.
عربياً وفلسطينياً، تشكل مطالب ترامب بالانضمام الى اتفاقات ابراهام مقابل التسوية الامريكية الإيرانية، مناسبة لإحداث انطلاقة في الجهود السعودية – الفرنسية والمصرية والاردنية نحو إعادة توجيه البوصلة الدولية نحو فلسطين، بما فيه انجاز مراحل انهاء الحرب على غزة وانهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency