لقد أبدع الله في خلق العباقرة بين شعوب الأرض كافة، دون استثناء. ولكن ليس الهدف هنا التحدث عن أسماء هؤلاء العباقرة أو الشعوب التي أفرزتهم؛ بل ما يهم هو ظاهرة بعض الصبية الذين يسعون بشكل محموم وراء الشهرة والظهور، فيتجاوزون حدود المنطق والعقلانية لإثارة الضجيج فقط وجذب الأضواء لأنفسهم. مؤخرًا، رأينا الكثير منهم يهاجمون آل جنبلاط. صحيح، قد نلتقي مع بعضهم في بعض الانتقادات الموجهة إلى مواقف وليد جنبلاط، لكن أن يتوجه الهجوم بشكل شامل وغير متزن إلى هذه العائلة العريقة، فهذا ما لا يمكن السكوت عنه.
آل جنبلاط لهم تاريخ حافل بالمواقف الإنسانية والوطنية. فمن يستطيع إنكار ما قدمه كمال جنبلاط، هذا الرجل الذي نشأ في بيئة إقطاعية ولكنه اختار أن يكون نصيرًا للفقراء؟ لقد منح آلاف العائلات اللبنانية أراضٍ كمساعدة سخية نابعة من ضمير حي وقناعات فكرية إنسانية عميقة. فأين يقف هؤلاء "الصبية" أمام قامة عملاقة مثل كمال جنبلاط؟ أليس هذا تعديًا صارخًا على إرث رجل استثنائي، تُذكر سيرته كشاهد على العطاء والإيثار؟
إن نقد مثل هذه الشخصيات العظيمة دون احترام تاريخها وإنجازاتها ليس إلا انعكاسًا لقلة التقدير والاحترام. قصتهم تُذكرني بحكاية الثعلب الجائع الذي لم يتمكن من الوصول إلى العنب فتملّص بقوله إنه لم ينضج بعد. كذلك هؤلاء المنتقدون، يتطاولون فقط لأنهم عاجزون عن الاقتراب من علو شأن الرجل ومكانته.
كمال جنبلاط لم يكن عاديًا؛ لقد كان إنسانًا يحمل من الكمال ما ندر وجوده في صفات البشر عبر العصور. كان رؤاه تتجاوز الحدود اليومية للأحداث ليحلق عاليًا في سماء المثل العليا والتفكير البعيد المدى. ولعل السياسة كانت أحد القضايا الحساسة التي أزعجت هؤلاء المنتقدين، خاصة أولئك الذين تأثروا بالدعاية الإعلامية الإسرائيلية التي شوّهت مفاهيمهم وأضعفت حسهم الوطني.
كمال جنبلاط، هذا العملاق، جسّد رمزًا شامخًا لا يستطيع الأقزام أن ينالوا من قامته العالية. حتى الزعيم جمال عبد الناصر، أحد أبرز القادة العرب في العصر الحديث، الذي زرع الكبرياء في نفوس الأمة عبّر عن احترامه لهذه الشخصية الفذة. عندما سأله أحد وزرائه لماذا يذهب بنفسه لاستقبال كمال جنبلاط رغم أنه ليس رئيس دولة، أجابه عبد الناصر قائلاً: "هذا الرجل كبير على لبنان والمنطقة بأسرها؛ كان يجب أن يولد في الهند أو الصين"
إذًا، ما الذي يثير غضب هؤلاء الصبية تجاه آل جنبلاط؟ كون كمال جنبلاط جعل من نفسه نموذجًا يُحتذى به في الوطنية والعدالة؟ لأنه وقف بجانب الثورة الفلسطينية، القضية العادلة التي تهدف إلى استرجاع الحقوق المسلوبة؟ لأنه تصدّر حركات المقاومة العربية وساهم في دفع الدول العربية لاستخدام سلاح النفط ضد الهيمنة العالمية لأول مرة؟ أم لأن مواقفه السياسية كانت دائمًا تدافع عن الكرامة والسيادة والدفاع عن الحقوق المسلوبة؟
كمال جنبلاط سيبقى رمزًا خالدًا لكل من يبحث عن نماذج مضيئة للتضحية والكرامة، ولن تتمكن الهجمات الظالمة من النيل من إرثه العظيم.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency