بعد انتهاء ليلة احتراب أخرى، وانبلاج بعض النّور المنحدر من السّماء الرّماديّة، ولو لزمن مؤقّت، وبعد صمت صافرات الإنذار والقنابل الهابطة على الخليقة، حتّى إشعار آخر، هرولَت الجموع المرتجفة نحو البحر، لتغتسل بشيء من الحياة! وكانت بين تلك الجموع صبيّة غضّة، قفزت من بين الهامات، ووقفت على صخرة صغيرة عند الشّاطئ، نظرَت نحو البحر ونادت: "يا الحكيم! ماذا يقول البحر؟" نظر الحكيم إليها من بين الجموع، وذهبَ نحو نفسه، وترك كلّ نصوص الحرب في طيّ الّلاواعي، ولم يجب! ونادت مرّة أخرى: "يا الحكيم! ماذا يقول البحر؟" صمتَ الحكيم أمام حكمتها للحظة، ثمّ أجاب بسكون: "البحر صاخبٌ جدّا، وهادئ جدّا، يهمس لنا شيئًا مع كلّ موجَة تتكسّر فوق صخر الشّاطئ، نسمعه ولا نسمعه، يقول كلّ شيء ولا يقول شيئًا، والصّمت أحيانًا هو أكثر حكمة، مع أنّه (البحر) يحمل أسرار الدّهور، وكلّ قطرة من مياهه هي كلمة من نصّ عابر أو قصّة انتهت، أو حكاية لحلم بعيد، تتبخّر كلّها تحت الشّمس". نادت الصّبيّة ثانية: "يا الحكيم، من هو البحر؟". مرّة أخرى، خرج الحكيم نحو ذاته، وترك ساحة الوغى، وقال: "البحر هو الجبّار المتلاشي، الباقي والمتغيّر، فيه الحياة وفيه الموت، لا يأبه بشيء خارج حدود زَبدهِ الّذي يتهالك فوق الرّمل، ولا يأبه بشيء داخل حدود موجِهِ الصّاخب الّذي يلاطم الصّخر دون هوادة. يحتلّ مِساحة الشّاطئ العابث، ويستسلم لمداعبة الرّمل الدّافئ! أحيانًا يلاعب موجُه الأسماكَ، وأحيانًا يلاطمها، أحيانًا يستفزُّ البحرُ الشّاطئَ وأحيانًا يشرب معه قهوة الصّباح، لا تشغله التّعريفات، أو المصطلحات، أو القوانين، أو الهُويّات". وصمتَ الحكيم.
نادت الصّبيّة مرّة أخرى، "يا الحكيم!؟"، وخلعت ثوبها الخفيف عن جسدها، "هل يراني البحر؟" صمتَ الحكيم مرّة أخرى أمام حكمتها، وراح نحو روحه، وترك مدارات التّيه وأجاب: "الآن يراك!"، وابتسمت الصّبيّة حتّى مشارف الأفق! نظر الحكيم نحو الجموع وقال: "الآن أستطيع أن أقول لكم، إنّني أرى ما لا يراه النّاس! لكن، كما قال أبو نوّاس "فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً، حَفِظتَ شيئًا وَغابَت عَنكَ أَشياءُ". لقد همس لي هذا البحر يومًا، بأنّه يرى ما لا يرى، ولا يرى ما يرى! فلا حقيقة مُطلقة في هذا الكون الهلاميّ! وإنّه لا يكترث لما يجري على اليابسة، فكلّ شيء تحت الشّمس زائل أمام خلود الله. "باطل الأباطيل، الكلّ باطل" (سليمان الحكيم، سفر الجامعة 2:1)، فلا تشغل البحرَ حالات احتراب البشر أو السّلام بين بني آدم"، وتوجّه إلى أحدهم وأكمل حديثه ليفسّر للجموع: "... لا يهمّه، البحرُ، إن كنت تأتي إليه للتّنزّه مع كلبك أو صديقك أو عائلتك، لا يأبه إن كنتَ تزوره دائمًا، أم بشكل متقطّع، أم إنّك لا تلتزم بالمجاملات والواجبات الاجتماعيّة"، وتوجّه إلى آخر وانطلق لسانه، وقال: "لا يأبه البحر إن كنت تأتي لالتقاط صورة تذكاريّة معه، أم لتمارس الرّياضة، أم لتحترق في لهيب قبلات مسروقة أو آهات مضطربة، أم لترقص وتغنّي في احتفال زواج على الشّاطئ، ولا يهمّه بتاتًا إن أتيت إليه لتصلّي في معبدك الخاصّ، أم إنّك جئت لتمارس الحبّ وتتلظّى مع جسدٍ آخر فوق الرّمل".
رفع الحكيم عينيه ونظر إلى الأفق، وأشار بيده نحو البحر وهمس في نفسه، "هذا البحر لي... هذا البحر لي!" هنا ترفرف روح الرّب وروحي معه تحلّق!" سمعته الصّبيّة وحدها، وبحثت عن عينيه بسكون شهوانيّ.
نظر الحكيم نحو البحر مرّة أخرى وصاح بصوت أجشّ، وسمعته كلّ الجموع: "هذا البحر! لا يشغل باله إن كنت حاضرًا أم غائبًا، وإن كنت تأتي إليه بشوق، أم تأتي على مضض، لا يقلقه من أنت وما أنت عليه، لا يهمّه إن كنت تحبّه، أم تكرهه، أم تخافه، أو إن كنت مرتاحًا أم مرهَقًا من هموم الدّنيا، متفائلًا أم متشائمًا، حزينًا أم سعيدًا، أو إنْ كانت لك ذكرى مريرة، أم لك تجربة رائعة تذوب مع الزّبد فوق الرّمال. لا شيء يعرقل سيرورة نهاره وليله، فهو موجود حيث هو، لا ينتظرك ولا ينتظر أحدًا آخر، فهو يبقى مع هدير موجِهِ وعمقه وسكونه وغموضه وجماله وهيبته وحضوره، على مساحة أرض مفهومة ضمنًا وحدودها هلاميّة، ليكتب حكايات لا تنتهي، شئتَ أم أبيتَ، أعجبك أم لم يعجبك". أدار الحكيم وجهه نحو النّاس ولم ينظر إلى عيون أحد، وقال: "لا يأبه البحر إن كنت تحبّ صوت موجهِ، أم صوت صمتهِ، إن كنت تسمعه يغنّي، أم كنت تسمعه يرنّم، أم أنك تسمعه يهمس، أم يصيح! لا يكترثُ إن كنت تسكن في الجوار، أم إنّك تأتي من أقاصي الأرض لتشاركه سرّك، أو حلمك، أو احباطك، أو تأتي لتشاركه أفكارك التّائهة، أو خوفك من الشّر أو من الحرب، لا يهمّه إن قرّرت دخول الماء لتسبح مع الأسماك الملوّنة، أو لتجمع الصَّدف، أو لتصيد سمكة لتقتات، أم لتصطاد السّمك لتبيعه في السّوق، أو جئت لتصطاد كلمات حائرة، أو بعض لحظات من سكينة مقتطعة من أجندة مكتظّة، أم لتمارس هواية تلهيك عن صخب الحياة، أم أنّك تأتي لتغوص في العمق نحو المغامرة، أو لتضاجع حبيبتك العارية في سريره، لا يهمّه، فلا تثيره أجسادنا العارية ولا الجنس الّذي نمارسه، ففي جوفه يتزاوج كلّ الكون في كلّ لحظة ويصنع حياة أمام حروب البحر وحروب اليابسة. لا يهمّه إن قرّرت أن تتمدّد على رمل شواطئه لتعانق خيوطُ الشّمس جسدَكَ، أو إنْ أردت أن تلاحق فراشة أو تغازل زهرة، لا يهمّه إن جئت لتدرس أعماقه، وتبحر في قارب صغير أم في سفينة، أو جئت لتهاجم الموج ومخلوقاته، ولا يهمّه، إن كنت شخصًا حالمًا، أم واقعيًّا، أم تائهًا تبحث عن معنى للحياة، أم أنّك تدرك تفاهتها بعدما اختبرتها، أو إن كنت تبحث عن الحقيقة أم أنّك تهرب من الحقيقة، في كلّ الأحوال، الحقيقة ليست في المكان الّذي تبحث فيه، بل في الطّريق الّذي تسير به، فكلّما تعمّقت في ذاتك، اقتربت من الحقيقة."
نظر الحكيم إلى جهاته الأربع، وكان الصّمت يهيمن على كلّ من كان في المكان من مخلوقات، وأسهب في كلامه: "لا يأبه البحر إنْ كنت تأتي لتمارس التّأمّل أو اليوغا، أو لتكتب قصيدة وتغنّي نشيدًا للحياة أو له، أو إنْ كنت عاشقًا هائمًا أو كان قلبك يفيض وجعًا، أم شوقًا، أم شوكًا، أم يسكر بالحضور، أم يغصّ بالفقدان، أم يلهث نحو انطلاق جديد، أم أنّ الحالة مجرّد نزوة، أو فرح مؤقّت، أو زيف، أم إنّه انكشاف على الحياة. لا يهمّه إن جئت لتراقب القِطّ الّذي ينتظر سمكة عابثة لتقفز إلى صحنه، أو سمكة نحيلة يرميها صيّاد محترف للأفواه الجائعة، أو جئت لتعزف على قيثارتك أمام الموج وتسهر مع النّجوم، أم جئت لتركب الموج وتحلّق مع رذاذه المنطلق بين خيوط الشّمس، لا يهمّه إن جئت لتعزف على أوتار قلبك لحنًا شجيًّا وتجترّ أحزانك، أو لحنًا شقيًّا فوق جسد عشيقة، أو لحنًا يبتهل إلى السّماء ويسجد، فلا يشغل باله إنْ كنت تقيًّا، أم لصًّا أم مخالفًا للقانون، أم صادقًا، أم مخادعًا، لا يأبه بأيّ شيء! لا يهمّه إن كنت حكيمًا أم جاهلًا، تافهًا أم عميقًا، أو إن كنت واقعيًّا أو "سابقًا لأوانك" ورحلتك طويلة وشاقّة، كما قال لي الكاهن الحبيب!" صمت الحكيم لهنيهات واستطرد في كلامه بهدوء: "ببساطة، لا يهمّه من أنت! أو ما أنت! وإن كنت بمفردك أم مع جماعة، فهو يستقبلك بكلّ حالاتك، ويقدّم كلّ كلّه لك ولا يقدّم شيئا لك، فهو يستقبل الجميع، المحتفلين، والموجوعين، والعاشقين، والحزانى، والسّاعين نحو حلم، أو نحو استراحات جسد أو نحو حرّيّة فكر، أو نحو رياضات روحيّة، أو فكريّة، أو ذاتيّة، أو جسديّة، بتلقائيّة طبيعيّة بدون تكلّف." سكت الحكيم وقد أعياه البوح، لهنيهة، وأسرعت الصّبيّة وسألت بهدؤ: "هل يستقبلني البحر؟!" وتمدّدت على الصّخرة مع خيوط الشّمس التي تحمّم جسدها العاري. نظر الحكيم نحوها وقال بسكون: "أنا حقير الأرض، أنا غبار نجوم تائهة، أنا لَفظ السّماء! والبحر يستقبلني!"، سألت الصّبيّة مرّة أخرى بهدؤ، "أيَقبلُني؟"، قال الحكيم بصراخ: "أنا جنون الرّيح، أنا شريعة متمرّدة، أنا البديهيّ ما وراء البديهيّات! والبحر يَقبَلني". ابتسمت الصّبيّة وأسدلت جفنيها وفي عينيها نورٌ كثير ودفءٌ عظيم. التفت الحكيم نحو النّاس وقال لشاب، مفتول العضلات يلبس بنطالا قصيرًا فقط، كان يقف أمامه: "الحقّ أقول لكم، لا يأبه البحر إن كنت تحتفل في مجون الّليل، وتشعل السّيجار مع مجموعة من التّافهين، أم مع قوم من المحترمين، إن كنت تشرب الويسكي، أم البيرة، أم القهوة، أم الماء، أم الماء مع شريحتين من الّليمون والنّعناع، إن كنت تحبّ حفلات الشّواء أو حفلات الخضريّين، أو إن كنت تأتي لتحتفل بالعيد، ولا يهمّه أيّ عيد، فهذا شأن البشر. لا يأبه إن كانت ملابسك فاخرة، أو "على الموضة"، نظيفة ومرتّبة، أو متّسخة أو مهترئة أو بالية، لا يكترث بألوانك ولا بِدلك، أو إن كنت تضع ربطة عنق أو تلبس ثوبًا مزركشًا لامعًا أو ثوب سباحة، فهو (البحر) لا يلبس معطفًا ولا قبّعة، لا في المطر ولا في الحرّ، لا يأبه بتقلّبات الطّقس، إن غضب الغيم، أو عصفت ريح عاتية، ولا يخاف الرّعد، ولا البرق، ولا الزّمهرير، ولا يهاب اليوم القائظ ولا لهيب الشّمس"، نظر الحكيم نحو الجموع، وأكمل حديثه: "لا يأبه البحرُ بالفصول وبتبدّل المواسم، لا يكترث بمواسم الحصاد، ولا بمواسم التّفاح أو العنب، ولا بمواسم الهجرة، أو الرّحيل، أو التّهجير، أو التّكفير، أو النّزوح، فكلّها من صنيع البشر. لا يكتب الشّعر على أوراق الخريف الصّفراء ولا يهمه الزّهر ولا الجلّنار، لا يخاف الغول، ولا السّاحرة، ولا التّنين، ولا أساطير الوحوش ولا قصص البشر، ولا يخاف الآتي في عتمة الّليل، ولا ينتظر جنّيات الصّباح، ولا يحلم بحوريّة بحر يغفو على صدرها، ولا يأبه إذا وقف الرّمل، أو الصّخر،أَو كاسر الأمواج أمامه، فهو يمارس حضوره وذاته وكيانه، منذ الأزل، دون تكلّف أو تصنّع، هو تلقائيّ متمرّد، وعفويّ وعشوائيّ وطبيعيّ، لا يواجه الشّر بالشّر ولا يحقد على أحد حتّى وإن شوّه النّاس سمعته، فهو يبقى حتى انقضاء الدّهر، بكلّ جبروته وقناعاته دون انزياح."
نزل الحكيم ليمشي بين النّاس، وقال: "لا يأبه البحر إن أبحَرَتْ في مياهه سفينة قراصنة، أم سفينة فندق سياحيّة للحفلات والّلهو وحفلات القمار، أم أبحر قارب صيد أو بارجة عسكريّة، أم قارب مهاجرين غير شرعييّن هاربين من الجحيم إلى الجحيم، لا يهمّه إن كانت سفينة تجاريّة أم سفينة مدجّجة بالأسلحة، أم قاربًا يحمل الخبز للجياع. لا يهمّه إن حلّقت في سمائه طائرة حربيّة أم مدنيّة أم تجاريّة، أم حلّقت طائرة ورقيّة مع أحلام الحريّة السّابحة في أفقٍ ملوّن. لا يهمّه إنْ مرّ القطار بالجوار، ولا ينتظر صفيرَهُ المدوّي في أثير المدينة، لا يأبه بحكايات النّاس المكتظّة الّتي يحملها في قاطرات تنطلق نحو الزّوال، فكلّ الحكايات عابرة. لا يأبه بالأشخاص إن كانوا عاديّين أم ليسوا عاديّين، مبدعين أم يجترّون النّهار كأمر تلقائيّ أو قسريّ، لا يهمّه، إن كان بين المسافرين عشّاق أو أحبّة أو أعداء، لا يكترث للجنسيّات المتنوّعة ولا الألوان ولا الّلهجات أو الّلغات ولا إن كانوا متشابهين أو تضادّ، إن كانوا يحملون أحزانهم وأوجاعهم بصمت أو كانوا يتغنّون بأفراحهم، أو كانوا من الباحثين عن مرفأ أو ملجأ، أو عن حلم، أو عن هرب، لا يهمّه إن كان القطار يحمل مسافرين يلهثون نحو اتّجاه واحد، أو أنهم من أولاء الّذين يعودون بخيباتهم إلى حضن الحبيبة أو الحبيب. لا يأبه البحر إنْ كان يجلس في القطار شخص غنيّ، أم مشرّد، أم كادح، أم موظّف، أم معلّم، أم طالب، أم محترم، أم تائه في ضبابه الذّاتيّ، أم رجل دين، أم ملحد، أم كاتب، أم عامل، أم جنديّ، أم فارّ من العدالة، لا يهمّه إن تراكض الأطفال داخل القاطرات، أو تحادث النّساء والرّجال والشّيوخ والشّباب، أو تعانق العاشقون، أو كان بين الرّكاب مثليّون أو مثليّات، أم تجّار أم رجالات مجتمع".
نظر الحكيم نحو الصّبيّة الّتي جلست في تلك الأثناء على الصّخرة الأكبر، وكانت مصغية، وأدار وجهه نحو الجموع وقال: "لا يأبه البحر بما يحمل القطار من حكايات، مُرّة كانت أم حلوة، متكرّرة أم جديدة، مُستهلكة أم إبداعيّة، مهاجرة أم أصليّة، ولا تهمّه زمنيّة القطار، أو إذا مرّ بالجوار أم تقاعس ولم يلتزم بالوقت، أو إذا توقّف قسرًا لأنّ أحدهم قرّر أن تكون السّكّة الحديديّة محطّته الأخيرة. لا يأبه البحر إن ركبت القطار الخطأ، وإن كنت ستنزل في أقرب محطّة، أم ستستمرّ لأنّ طريق العودة أطول ومكلفة أكثر"، صمت هنيهة ونظر إلى الشّمس هنيهة وأكمل حديثه: "لا يسألك البحر إن جئت لتسترق الّلحظات لتخاطب الرّب وتقرأ بعض السّطور في كتاب مقدّس، أم في رواية، أم في مجلّة، أو جئت لتلتقي نفسَك التّائهة، لا يسألك إن جئت لتجلس مع أشباحك، أم مع نفاق أصحابك، أم تتصفّح صورًا لوجوه في هاتفك النّقال، أو تبحث عن أجساد عارية. لا يسألك البحر، ولا يعاتبك ولا يمسح دمع وجنتيك، ولا يسألك عن بسمة شفتيك. لا يأبه البحر بشيء، فهو الحقيقة الّتي تبقى مهما مرّ الزّمان، ويحمل ذاكرة كلّ شيء، سرمديّ الحضور، لا يشيخ ولا يهرم، ولا يهمّه إن كنت تحبّه أو لا تحبّه، ولا يهمّه ماذا تشعر نحوه أو تفكّر عنه، لكنّه صديق حين لا تجد الأصدقاء، وهو أفضل الأصدقاء، لا يأبه بالمجاملات، ولا الكلمات المنمّقة، ولا يكترث لحالة السّلام ولا الحرب ولا المؤتمرات، يمارس حضوره وحده بكلّ فرح وجبروت وانسجام، ولا يكترث لشيء". توجّه الحكيم نحو الصّخرة الأكبر، حيث تجلس الصّبيّة، وجلس بقربها ونظر في عينيها، وقال: "لكن، إذا اهتزّت الأرض وعصفت الرّيح، يفيض البحر بكلّ قصصه، وأسراره وحكاياته وموته وحياته، ويمتدّ إلى خارج ذاته وحدود مملكته، يفيض بغضب وتعلو أمواجه وتُغرق اليابسة الّتي نزح عنها منذ مدّة لأجل البشر، ويُغرق الأرض بأسماكه ووحوشه وبكلّ التّاريخ والأساطير الّتي يحملها". صمت الحكيم للحظات ثمّ همس بكلمات الملك سليمان "طوبى للإنسان الذي وجد الحكمة، وللانسان الذي نال الفطنة فان تجارتها خير من تجارة الفضّة وربحها يفوق الذّهب الخالص، هي أكرم من الّلآلئ وكلّ نفائسك لا تساويها" (سفر الأمثال 13:3). همس الحكيم بسكون صارخ: "وَحدهُ البحرُ يبني لي وطنًا لذاتي ويبحر نحو حلمي، يهديني قصصَ مرجان ملوّن عند أفق يتدلّى من شرفة قمر قرمزيّ، يعبث بأوراقي الثّائرة وقبلاتي ونزواتي الجنسيّة... وحدهُ البحرُ يعلم، أنّني أبحث عن وطنٍ تشرق فيه شمس ملتهبة، وتتلبّد فيه غيوم مطر غزير، ويزهر فيه لوز فوق ملامح رماديّة، وحدهُ يعلم أنّني هنا، وحده يعلم أنّني هناك!". وحدها الصّبيّة سمعت الحكيم، فابتسمت! وحملت لهاث روحها الهائجة، وقفزت بكلّ عريها إلى بطن البحر، نحو مملكة مرجان ملوّن ثائر!
وقف الحكيم بسكون وسأل الجموع: "هل هذا البحر يهذي؟! فما كنّا نغازل العتمة، بل جلسنا سرّا عند الشاطئ وتعانقنا وخبأ الّليل قبلاتنا، بينما كان هو، البحر المارد الجبار، يقلِّب التاريخ بعد التاريخ، يَقلِب صفحة تِلوَ صفحة، يهاجم الصخور ويتريَّث قليلا، يعود ويغازلها، يعانق وجه القمر ويقبِّل وجه الأفق، ويلامس هالة الشّمس ويحلم في جسد امرأة يعود فيها مع الموج إلى أعماقه! عندما ذبنا نحن مع الزّبد عند الشّاطئ، وانكمش العالم في لوحة جداريّة لأسطورة عاشقين هاربين من الضّوء". أجابه الجمع بسكوت صاخب وعيون حائرة!
صمت الحكيم، وراح في سكون لا يدركه بشر، ورحل نحو الغياب!
بعد تيه قسريّ، عاد الحكيم، نظر إلى الموج المتكسّر فوق رمل الشّاطئ المؤقّت المتغيّر، وحلّقت روحه نحو الامتداد غير النّهائيّ للبحر، وسمع همسًا ناعمًا: "اشتقتُ إليك!"، ولم يعرف الحكيم مصدر الصّوت، وتساءل في ذاته، "هل كان هذا من البحر؟ هل عرفني البحر؟!"، وابتسم!
حمل الموج تساؤلات الحكيم، وراح في رحلة أزليّة تتلاطم ما بين الأفق وخيوط النّور وصخور الشّاطئ.
أيّار 2026
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency