إطالة حرب الخليج الثالثة: بين توازن المصالح وإدارة الصراع/ بقلم: أدهم إبراهيم

ادهم ابراهيم 
نُشر: 22/05/26 10:30

اعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إيقاف هجوم وشيك على إيران بناءً على طلب السعودية وقطر والإمارات. 

وهنا يعتقد البعض بان الحرب الاخيرة على إيران ماهي الا مسرحية ، نتيجة عدم الحسم والتباطؤ فيها على غير الحروب التي شاهدناها في منطقة الشرق الأوسط على مدى سنوات طوال .

لكن هذا الطرح من الصعب قبوله بعد اغتيال المرشد الأعلى وسقوط قيادات عسكرية بارزة، مع استهداف منشآت استراتيجية، وتعرض البنية التحتية الإيرانية والعسكرية لضربات مؤثرة، إضافة إلى الحصار البحري والاقتصادي المتصاعد .

 ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الحرب تختلف عن الحروب التقليدية، لأنها تُدار ضمن ما يُعرف بـقواعد الاشتباك ، حيث تسعى الأطراف إلى توجيه رسائل قوية دون الانزلاق الكامل إلى حرب شاملة قد تسبب خسائر فادحة للجميع. 

في هذا السياق، هناك تفسير يتعلق بالمصالح الدولية والإقليمية. فالدول لا تتحرك وفق العواطف أو الصداقات ، بل وفق حسابات المصالح، كما قال الزعيم الفرنسي شارل ديغول: “لا صداقات دائمة بين الدول، بل مصالح دائمة”. ومن هذا المنطلق، لا تبدو دول الخليج راغبة في توسع المواجهة العسكرية، لأنها تدرك أن أي حرب شاملة ستنعكس مباشرة على اقتصاداتها وأمنها واستقرارها الداخلي، خصوصاً مع ارتباط أمن الطاقة العالمي بسلامة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية.

كما تخشى دول الخليج من  الغموض المرتبط بـاليوم التالي في الداخل الإيراني . فإسقاط النظام الإيراني أو انهياره الكامل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية، أو صراعات داخلية طويلة، أو حتى صعود جماعات أكثر تطرفاً، وهو ما يجعل خيار الاحتواء أكثر جاذبية من خيار الإسقاط الكامل .

ومن جهة أخرى تدرك واشنطن أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل جذري يتطلب حرباً طويلة ومكلفة، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل تحولت إلى مشاريع استراتيجية تخضع لحسابات التكلفة والعوائد . لذلك، أصبح من الممكن فهم الصراع الحالي من خلال مفاهيم الإقتصاد الحديثة وإدارة الأزمات .

وفق هذا التحليل، تدار الحروب اليوم بعقلية دراسة الجدوى . فكل ضربة عسكرية، يتم تقييمها بناءً على تكلفتها السياسية والاقتصادية مقابل العائد المتوقع منها. وعندما تتحقق الأهداف الأساسية بأقل تكلفة ممكنة، يصبح الاستمرار في الحرب استنزافاً غير مبرر.

هنا يظهر مايعرف بمفهوم الإدارة الرشيقة، الذي يقوم على تعديل الأهداف بشكل مستمر وفق المعطيات الميدانية . فإذا تبين أن إسقاط النظام الإيراني مثلا سيؤدي إلى خسائر ضخمة وفوضى إقليمية، فإن الهدف يتحول من إسقاط النظام إلى احتوائه وإضعافه تدريجياً، مع الإبقاء عليه كعامل توازن يخدم مصالح كثير من الأطراف . 

وهذا يفسر حالة اللاحسم التي تميز به الصراع الحالي؛ فالانتصار الساحق قد يخل بالتوازنات الحالية المطلوبة .

في المقابل، تتمحور استراتيجية طهران حول هدف أساسي هو بقاء النظام. ولذلك تعمل القيادة الإيرانية على امتصاص الضربات، والحفاظ على الحد الأدنى من قدرات الردع، ومنع حدوث انهيار داخلي أو انشقاقات سياسية وأمنية قد تهدد تماسك الدولة.

وفي الوقت نفسه، تحاول إيران الحفاظ على قنوات الحوار مع جيرانها الخليجيين، ودفعهم للضغط على واشنطن من أجل وقف التصعيد، مع الحرص على منع انضمامهم الكامل إلى أي تحالف عسكري ضدها. 

غير أن هذه السياسة باتت تواجه اهتزازاً متزايداً في الثقة الخليجية، مع تصاعد القناعة لدى العواصم الخليجية بأن نهج التهدئة والحوار مع طهران لم ينجح في كبح سلوكها الإقليمي أو الحد من تهديداتها المباشرة وغير المباشرة. فاستمرار الهجمات واستهداف المصالح الحيوية عزز الشكوك بشأن حقيقة النوايا الإيرانية، ودفع بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم جدوى الرهان على الدبلوماسية في مواجهة مشروع إيراني قائم على كسب الوقت وتوسيع النفوذ تحت غطاء الحوار السياسي.

  أن مايبدو من مماطلة وعدم الحسم في هذه الحرب ماهو الا أداة للحفاظ على توازن المصالح . فالصراعات طويلة الأمد تخلق ما يعرف بـاقتصاد الحرب، حيث تستفيد شركات السلاح، والتحالفات الأمنية، ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي من استمرار التوتر دون انفجار شامل .

كما أن وجود إيران كقوة إقليمية مقلقة لدول المنطقة يبرر استمرار سباقات التسلح والتحالفات العسكرية، بينما يمنح طهران بدورها أوراق ضغط ونفوذاً إقليمياً. وهكذا ينشأ نوع من التخادم بين الخصوم، حيث يستفيد كل طرف من بقاء الآخر ضمن حدود معينة.

حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن المنطقة دخلت مرحلة صراع إقليمي طويل منخفض الحدة، تُدار فيه المواجهات وفق حسابات دقيقة تمنع الانفجار الشامل .

رغم كل هذه الحسابات، يبقى العنصر البشري والمفاجآت الأمنية عاملاً يصعب التحكم فيه بالكامل. فالحروب قد تنزلق فجأة نتيجة خطأ في التقدير، أو احتجاجات داخلية، أو تغيرات سياسية غير متوقعة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الأوضاع رهينة توازنات هشة ومصالح متشابكة، حيث تدار الأزمات بدل أن تحل، وتؤجل الانفجارات الكبرى على حساب استنزاف مستمر لدول وشعوب المنطقة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة