للنهوض بالامة العربية من حالة الجمود

صالح نجيدات
نُشر: 21/05/26 09:31

تمر الأمة العربية اليوم بمرحلة تُعد من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، مرحلة تتشابك فيها الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى أصبح الانحدار واقعا يلمسه المواطن العربي في تفاصيل حياته اليومية. ولم يعد من المقبول الاستمرار في سياسة التغافل أو تبرير الفشل أو تعليق الأخطاء على الآخرين، بل نحن بحاجة إلى جرأة وصراحة غير مسبوقتين، وإلى مراجعة شاملة تعيد للامة  القدرة على النهوض واستعادة مكانتها بين الأمم.
إن أخطر ما أصاب الأمة العربية هو تقويض أهم ركيزتين تقوم عليهما أي أمة في العالم، وهما «الدولة» و«المجتمع». فالدولة بمفهومها العصري الحديث لم تعد في كثير من أوطاننا مؤسسة قائمة على الدستور والقانون والعدالة وتكافؤ الفرص، بل تعرضت في أماكن عديدة للتفكيك والإضعاف، وعادت بعض المجتمعات إلى منطق العصبية والولاءات الضيقة والهيمنة الفردية، بدل ترسيخ مفهوم الدولة المؤسسية التي تحمي المواطن وتصون كرامته وحقوقه.
لقد أُضعفت مؤسسات الدولة، وتراجعت هيبة القانون، وانتشرت مظاهر الفساد والمحسوبية والمال السياسي، فأصبحت بعض المناصب تُمنح على أساس الولاء لا الكفاءة، وتراجعت ثقة الناس بمؤسساتهم الرسمية. كما تعرضت مؤسسات المجتمع المدني للتقييد أو التهميش، وفقد كثير منها دوره الحقيقي في الرقابة والإصلاح والتوعية، فتحولت بعض المؤسسات إلى أدوات للصراع والمصالح الضيقة بدل أن تكون أدوات بناء المجتمع وخدمته.
أما على مستوى المجتمع، فإن الأزمة لا تقل خطورة. فقد تراجعت قيم المواطنة والانتماء الوطني أمام تصاعد العصبيات القبلية والطائفية والفئوية، حتى أصبح الانقسام سمة واضحة في كثير من المجتمعات العربية. وغاب الخطاب الوطني الجامع، وحل مكانه خطاب التحريض والإقصاء والتخوين، وأصبحت وسائل التواصل أحيانا منصات لنشر الكراهية والتشهير بدل أن تكون أدوات للوعي والتقارب.
كما شهدت المنظومة الأخلاقية والاجتماعية تراجعا مؤلما، فتراجعت قيم الاحترام والتسامح والحوار، وضعف دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في بناء الإنسان الواعي والمتزن. وأصبحت المظاهر والشكليات والبحث عن الوجاهة الاجتماعية هدفا عند بعض الناس، بينما تراجع الاهتمام الحقيقي بالعلم والثقافة والمعرفة. فصرنا نرى حملة شهادات بلا تأهيل حقيقي، وارتفعت الأصوات العالية على حساب الفكر العميق والعمل الجاد.
إن استمرار هذا الواقع يهدد بتفكك المجتمعات العربية من الداخل، لأن الأمة التي تضعف فيها القيم، ويتراجع فيها احترام القانون، وتغيب فيها العدالة، تصبح أكثر عرضة للانقسام والانهيار. ولا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبله على العصبية والكراهية والفساد، بل على المواطنة الصالحة والعدالة والعلم والعمل والإيمان بقيمة الإنسان.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائما إذا امتلك أبناء الامة  الشجاعة للاعتراف بأخطائهم ، وبدؤوا مشروعاً حقيقيا للإصلاح. فالنهوض يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة المؤسسية، وترسيخ سيادة القانون، ومحاربة الفساد دون استثناء، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية، وإحياء قيم الانتماء الوطني والتسامح والاحترام المتبادل. كما أن بناء الإنسان الواعي يجب أن يكون أولوية، لأن الإنسان هو أساس النهضة الحقيقية.
إن الامة  العربية تملك من الطاقات والعقول والثروات ما يؤهلها للنهوض من جديد، لكن ذلك لن يتحقق بالصمت أو التردد أو المجاملات، بل بالمصارحة والإصلاح والعمل الجاد. فهل تملك  الأمة الشجاعة لنواجه أنفسها قبل فوات الأوان؟

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة