قمع أسطول الحرية: تحويل الحقيقة إلى عدوّ يجب إسكاتُه

محمد دراوشه
نُشر: 20/05/26 15:28

قمع أسطول الحرية:  تحويل الحقيقة إلى عدوّ يجب إسكاتُه

بقلم:  محمد دراوشه

بدأ المشهد من أسطول الحرية، حيث ظهرت مقاطع مصوّرة تُظهر اعتداء جنود وسجّانين إسرائيليين على نشطاء مدنيين جاؤوا من أنحاء العالم حاملين رسالة تضامن مع الشعب الفلسطيني. لم يكن الاعتداء مجرد تجاوز فردي، بل كان فعلًا مقصودًا يحمل بصمة سياسة واضحة: كل من يحاول كسر الحصار أو كشف ما يجري على الأرض يجب أن يُعاقَب. الإذلال الذي تعرّض له النشطاء، من الركوع وهم مقيّدون إلى تشغيل النشيد الإسرائيلي فوق رؤوسهم، لم يكن سوى محاولة لإرسال رسالة ردع إلى كل من يفكّر بأن يكون شاهدًا على الحقيقة.

هذا القمع الموجّه ضد أسطول الحرية ليس حدثًا منفصلًا، بل هو امتداد طبيعي لسياسة الاحتلال التي تقوم على محاصرة الفلسطينيين ومحاصرة الرواية في الوقت نفسه. فالحكومة الاحتلالية لا تكتفي بإغلاق المعابر والحدود، بل تعمل أيضًا على إغلاق المجال أمام أي صوت خارجي قد يفضح ممارساتها. لذلك، يصبح الناشط الذي يحمل كاميرا أخطر من أي تهديد عسكري، لأنه يملك القدرة على نقل الحقيقة إلى العالم.

إن اعتراض السفن في المياه الدولية واعتقال مئات النشطاء من دول مختلفة يكشفان عن نهج يقوم على القوة لا على القانون، وعلى العقاب لا على المساءلة. بدل أن تواجه الحكومة الاحتلالية الاتهامات الموجّهة إليها، تختار الطريق الأسهل: إسكات الشهود بدل وقف الانتهاكات نفسها. وهذا النهج لا يهدف فقط إلى ردع المتضامنين، بل إلى خلق بيئة يخشى فيها الجميع من الاقتراب من الحقيقة أو توثيقها.

الحصار المفروض على الفلسطينيين منذ سنوات طويلة لم يعد مجرد حصار جغرافي، بل أصبح حصارًا للرواية والوعي. فالحكومة الاحتلالية تدرك أن كشف الحقيقة يهدّد شرعية سياساتها، ولذلك تعمل على تشويه النشطاء واتهامهم بالتحريض أو الإرهاب أو الانحراف الأخلاقي، في محاولة لنزع إنسانيتهم وتبرير الاعتداء عليهم. هذه اللغة التحريضية ليست زلّة لسان، بل جزء من منظومة كاملة تهدف إلى تجريد الضحية من حقها في الشهادة وتجريد المتضامن من حقه في الاحتجاج.

إنّ استمرار هذه السياسات يعود جزئيًا إلى صمت المجتمع الدولي، وإلى غياب الضغط الحقيقي لوقف الانتهاكات. فحين يُترك الاحتلال دون محاسبة، يصبح القمع خيارًا مريحًا، وتصبح الحقيقة عبئًا يجب التخلص منه. ومع ذلك، فإن وجود نشطاء ومتضامنين يصرّون على الوصول إلى غزة رغم المخاطر يثبت أن الحقيقة لا يمكن محاصرتها إلى الأبد، وأن التضامن الإنساني أقوى من كل محاولات الطمس.

قمع أسطول الحرية هو مرآة لسياسة أوسع تقوم على منع العالم من رؤية ما يحدث للفلسطينيين. وحين تتحوّل الحقيقة إلى جريمة، يصبح الدفاع عنها واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا. إنّ مواجهة هذه السياسات لا تتطلب فقط إدانة القمع، بل تتطلب أيضًا دعم كل من يصرّ على أن يكون شاهدًا، لأن الشهادة اليوم هي شكل من أشكال المقاومة، ولأن الحقيقة، مهما حوصرت، تظلّ أقوى من كل محاولات إخفائها.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة