لم تكن نتائج انتخابات المجلس الثوري لحركة فتح مجرد أرقام عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سياسية وتنظيمية عميقة تستحق التوقف أمامها بجدية ومسؤولية. ففوز مقعد مسيحي واحد فقط، رغم ترشح أكثر من خمسة عشر أخاً وأختاً من المناضلين المسيحيين الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل الوطني والتنظيمي داخل الحركة، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التمثيل داخل الأطر القيادية، ومدى قدرة الحركة على الحفاظ على تنوعها التاريخي الذي شكّل أحد أهم عناصر قوتها الوطنية.
لقد كانت فتح، منذ انطلاقتها، نموذجاً للحركة الوطنية الجامعة التي لم تُبنَ على أساس ديني أو فئوي، بل على أساس الهوية الفلسطينية الواحدة. وكان للمسيحيين الفلسطينيين دور وطني بارز في مسيرة النضال الفلسطيني، داخل الحركة وخارجها، حيث قدموا قادة ومناضلين وشهداء وأسرى، وأسهموا في ترسيخ المشروع الوطني الفلسطيني في مختلف المراحل. لذلك فإن تراجع حضورهم في المجلس الثوري إلى هذا الحد لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل مؤشر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وصريحة.
وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل مسألة تمثيل المرأة داخل الأطر القيادية. فرغم فوز خمس عشرة أختاً بعضوية المجلس الثوري، واثنتين فقط في اللجنة المركزية، فإن هذه الأرقام تبقى متواضعة مقارنة بحجم حضور المرأة الفتحاوية ودورها التاريخي والنضالي داخل الحركة. فالمرأة الفلسطينية لم تكن يوماً عنصراً هامشياً، بل شريكاً أساسياً في مسيرة الكفاح الوطني والسياسي والاجتماعي، وقدمت تضحيات كبيرة على مدار سنوات طويلة.
لكن ما يثير القلق أكثر هو الشعور المتزايد لدى كثير من الكوادر التنظيمية بأن الانتخابات لم تعد تعتمد فقط على الكفاءة والتاريخ النضالي والعمل التنظيمي، بل أصبحت تتأثر بشكل واضح بالتكتلات والتحالفات الداخلية، الأمر الذي أدى إلى إقصاء شخصيات وكفاءات معروفة بحضورها وعطائها المستمر داخل الحركة. فهناك من عمل ليل نهار في الميدان، ومن لا يزال حتى اليوم يتحمل مسؤولياته التنظيمية بصمت وإخلاص، ومع ذلك لم يحالفه الحظ في الوصول، ليس بسبب ضعف حضوره، بل نتيجة حسابات وتحالفات باتت تتحكم بمسار الانتخابات الداخلية.
هذا الواقع يترك أثراً سلبياً وخطيراً على الحالة التنظيمية، لأنه يضعف ثقة الكادر بجدوى المشاركة والترشح مستقبلاً. فعندما يشعر المناضل أن سنوات العطاء والعمل الطويل لا تكفي للوصول إلى مواقع التأثير، وأن النتائج لا تعكس دائماً حجم الجهد والتاريخ النضالي، فإن الإحباط يصبح أمراً طبيعياً، وتتراجع الحماسة التنظيمية تدريجياً، وهو ما يشكل خطراً على مستقبل العمل الداخلي وروح الانتماء داخل الحركة.
ورغم كل ذلك، فإن النقد هنا لا يُقصد به التقليل من أهمية المؤتمر أو من قيمة الفائزين، بل يأتي من باب الحرص على الحركة وتاريخها ودورها الوطني. ففتح كانت وما زالت تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وقوتها الحقيقية كانت دائماً في قدرتها على استيعاب جميع مكونات الشعب الفلسطيني، والحفاظ على روح الشراكة والتعددية داخل أطرها التنظيمية.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة تنظيمية جادة تعيد الاعتبار لمعايير الكفاءة والنضال والعدالة التنظيمية، وتعزز حضور جميع الفئات دون تهميش أو إقصاء، بما يشمل المسيحيين والنساء والشباب وأصحاب الخبرات والكفاءات الوطنية. فالحركات الوطنية الكبرى لا تُقاس فقط بنتائج انتخاباتها، بل بقدرتها على حماية وحدتها الداخلية، وتعزيز ثقة كوادرها، وإعطاء كل مناضل الشعور بأن جهده وتاريخه محل تقدير واحترام.
ويبقى الأمل أن تشكل هذه النتائج بداية لنقاش داخلي مسؤول يعزز مناعة الحركة ووحدتها، لأن قوة فتح الحقيقية كانت دائماً في تنوعها، وفي قدرتها على جمع الجميع تحت راية وطنية واحدة تحفظ الشراكة والعدالة والانتماء
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency