المقعد الثاني… واختبار اللغة

رانية مرجية
نُشر: 16/05/26 08:23

المقعد الثاني… واختبار اللغة 
الأقرب إلى الناس
رانية مرجية
في الأمكنة المتعبة، لا يذهب الناس إلى السياسة بدافع الحماسة وحدها، بل بدافع الحاجة إلى معنى يخفف هذا الثقل اليومي الذي يتراكم بصمت داخل الأرواح. ولهذا، تبدو الانتخابات أحيانًا أكبر من مجرد أسماء تتنافس ومقاعد تُحسم؛ تبدو محاولة جماعية خافتة للعثور على من يشبه الناس أكثر، لا في شعاراته فقط، بل في خوفه الإنساني أيضًا.

لهذا يبدو الحديث عن المقعد الثاني مختلفًا هذه المرة. فالمسألة لا تتعلق بمن يمتلك حضورًا أعلى أو قدرة أكبر على الحشد، بقدر ما تتعلق بما يمثله كل اسم من لغة سياسية وإنسانية في زمن فقدت فيه الكلمات كثيرًا من معناها، وصار الناس أكثر تعبًا من الخطابات العالية، وأكثر ميلًا إلى من يقترب من هشاشتهم البشرية دون استعراض.

في حضور شادي شويري ثمة صورة السياسي القادم من تفاصيل الحياة اليومية؛ من الملفات الثقيلة، ومن الاحتكاك المباشر بالناس وهمومهم الصغيرة التي لا تصل إلى المنابر. هناك شخصيات لا تتقن صناعة الضجيج، لكنها تعرف كيف تتعامل مع الواقع كما هو، بكل تعقيداته وقسوته ونقصه الدائم. وهذا النوع من التجارب يمنح الناس شعورًا نادرًا بالثبات، لأن أصحابه يتحدثون بلغة الممكن، لا بلغة البطولة.

لكن الإنسان لا يعيش على الممكن وحده. ثمة حاجة أعمق دائمًا؛ حاجة إلى من يعيد للكرامة معناها وسط هذا العالم الذي يزداد قسوة وبرودة. وهنا يظهر جعفر فرح بوصفه امتدادًا لفكرة ترى السياسة دفاعًا عن الإنسان أولًا، لا عن المواقع. القادم من فضاءات الحقوق والعمل الأهلي والإعلام يعرف أن المعارك الكبرى لا تبدأ دائمًا في البرلمانات، بل في حماية ذاكرة الناس من التآكل، وفي الدفاع عن حقهم في أن تُروى حكايتهم بكرامة. وفي شخصيات كهذه، تصبح اللغة نفسها جزءًا من الفعل السياسي؛ كلمة تُقال في وجه القسوة، ومحاولة مستمرة لمنع الاعتياد على الظلم.

أما نسرين مرقس فتبدو أقرب إلى ذلك الصوت الهادئ الذي لا يبحث عن الصدارة بقدر ما يبحث عن المعنى. حضورها يحمل إيمانًا بأن التغيير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، ولا يولد من الصدام وحده، بل من إعادة التفكير بالمجتمع من داخله؛ بالمرأة، بالتعليم، بالثقافة، وبالعلاقات التي تصنع وعي الناس ببطء. وفي زمن يميل إلى الأصوات الحادة، تبدو النبرة الهادئة فعل مقاومة بحد ذاته، لأن الضجيج لا ينتج دائمًا وضوحًا، بل يخفيه أحيانًا.

وربما لهذا كله، يبدو هذا التنافس غنيًا بما هو أبعد من السياسة المباشرة. فكل اسم هنا لا يمثل شخصًا فقط، بل يمثل طريقة مختلفة للنظر إلى الناس وإلى دور العمل العام:
هل السياسة إدارة قريبة من التفاصيل؟
أم دفاع أخلاقي عن الحقوق والكرامة؟
أم محاولة طويلة لبناء وعي أكثر عدلًا وهدوءًا؟

ولا أحد يملك إجابة كاملة.

فالناس، في الحقيقة، لا تبحث دائمًا عن الأقوى. أحيانًا تبحث فقط عمّن لا يزيد هذا العالم قسوة. عن شخص يستطيع أن يرى تعبها دون أن يحوّله إلى خطاب، وأن يقترب من وجعها دون أن يستثمر فيه.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: من سيفوز بالمقعد الثاني؟
بل:
أي لغة ستبقى أقرب إلى الناس بعد انتهاء كل هذا الضجيج؟

لأن المقاعد تتغير، والأسماء تعبر، أما الطريقة التي يشعر بها الناس تجاه أنفسهم داخل الحياة العامة… فهي وحدها 

التي تبقى طويلًا

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة