في ذكرى النكبة: وقفة مع معارك الروايات – كتاب كوهين عن هبّة البراق نموذجًا

ساهر غزاوي 
نُشر: 14/05/26 23:45

تُعد النكبة الفلسطينية، التي نعيش ذكراها الثامنة والسبعين، نكبة ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، من التهجير والاقتلاع والحصار والاستيطان ومحاولات طمس الهوية والرواية. فالنكبة لم تكن حدثًا عابرًا انتهى عام 1948، بل تحولت إلى جرح مفتوح في الوعي الفلسطيني والعربي والإنساني، وإلى نكبة للأمتين العربية والإسلامية، بل وللإنسانية جمعاء، كما تحولت إلى ساحة دائمة لمعركة الروايات والسرديات والذاكرة. فمنذ اللحظة الأولى، سعت الحركة الصهيونية إلى فرض روايتها على العالم، مقدمة قيام إسرائيل على أنه "مشروع تحرر قومي"، وروجت لمقولات مضللة مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، في محاولة لإنكار الوجود الفلسطيني التاريخي، أو اختزال مأساة شعب كامل بادعاء أنه غادر "طوعًا" أو بفعل ظروف الحرب.
في المقابل، تؤكد السردية الفلسطينية، المستندة إلى الشهادات الحية والوثائق والذاكرة الجماعية، أن النكبة كانت مشروع اقتلاع وتهجير منظم ارتبط بطبيعة المشروع الاستعماري الغربي الاستيطاني الصهيوني ذاته. ولم يعد هذا الفهم مقتصرًا على الرواية الفلسطينية وحدها، بل إن عددًا من المؤرخين الإسرائيليين، وخاصة ممن عُرفوا بـ "المؤرخين الجدد"، أعادوا فحص الأرشيفات الإسرائيلية، وكشفوا عن عمليات الطرد والتهجير والمجازر التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين خلال عام 1948. وهكذا، فإن معركة الروايات لم تكن يومًا مجرد خلاف أكاديمي حول تفسير الماضي، بل صراعًا على الحقيقة والشرعية والحق والهوية، وعلى تحديد من هو صاحب الأرض ومن هو الضحية ومن هو المعتدي.
ورغم كل محاولات الطمس والتشويه عبر السياسة والإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية، بقيت السردية الفلسطينية أكثر رسوخًا، لأنها تستند إلى تجربة حيّة لم تنقطع، وإلى شعب ما يزال يدفع ثمن النكبة حتى اليوم. فالرواية التي تسندها القوة قد تفرض نفسها زمنًا، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقيقة، أما الرواية التي تسندها العدالة وذاكرة الناس ومعاناتهم، فهي الأقدر على البقاء والاستمرار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العودة إلى أحداث هبّة البراق عام 1929، باعتبارها واحدة من المحطات المبكرة التي تكشف طبيعة الصراع على فلسطين، ليس فقط كصراع على الأرض، بل أيضًا كصراع على الرواية والرموز والهوية والمقدسات. كما تكشف هذه الأحداث مركزية المسجد الأقصى في الصراع منذ بداياته، وتوضح كيف ارتبطت محاولات السيطرة على المكان المقدس بمحاولات فرض الهيمنة السياسية والثقافية على فلسطين كلها.
ويصف المؤرخ الإسرائيلي هلليل كوهين، في كتابه "هبّة البراق 1929: سنة الصدع بين اليهود والعرب"، تلك الأحداث بأنها "السنة صفر" للصراع على هذه الأرض. غير أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في توثيقه للأحداث، بل أيضًا في كونه نموذجًا لمعركة السرديات ذاتها. ففي الوقت الذي تُقدم فيه هبّة البراق في السردية الصهيونية باعتبارها "اعتداءً عربيًا" أو "مجزرة ضد اليهود"، يراها الفلسطينيون هبّة شعبية دفاعًا عن المسجد الأقصى وفلسطين في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وسياسات الانتداب البريطاني الداعمة له.
فالصراع حول حائط البراق لم يكن خلافًا دينيًا معزولًا، بل شكل تعبيرًا مبكرًا عن إدراك الفلسطينيين لخطورة المشروع الصهيوني ومحاولاته فرض وقائع سياسية ورمزية جديدة في القدس وفلسطين. وقد عملت الحركة الصهيونية على تكريس الحائط تحت اسم "حائط المبكى" ومنحه دلالة قومية يهودية، في مقابل تمسك الفلسطينيين والعرب والمسلمين بكونه جزءًا لا يتجزأ من المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية. ولهذا، تحولت هبّة البراق إلى أول ثورة شعبية فلسطينية كبرى في مواجهة المشروع الصهيوني، وامتدت من القدس إلى الخليل وصفد وحيفا وطبريا ومدن فلسطينية أخرى، وارتقى خلالها عشرات الشهداء والجرحى، وفي مقدمتهم شهداء ثورة البراق الثلاثة: فؤاد حجازي، ومحمد جمجوم، وعطا الزير، الذين تحولوا إلى رموز وطنية خالدة في الذاكرة الفلسطينية.
لكن معركة الرواية حضرت بقوة أيضًا في قراءة هبّة البراق وتفسيرها. فرغم محاولة هلليل كوهين الظهور كباحث نقدي يستند إلى وثائق عبرية وعربية وبريطانية، فإن مقاربته تبقى محكومة إلى حد كبير بمركزية الرواية الصهيونية. وفي هذا الإطار، يتعامل كوهين مع كتابات باحثين ومؤرخين فلسطينيين، مثل محمد سمرين ومصطفى الدباغ، على أنها تمثل "الرؤية الفلسطينية التقليدية" للأحداث، ثم يسعى إلى مناقشتها وإعادة تأويلها من منظور مختلف. ويبدو أكثر "ليونة" نسبيًا مع بعض الطروحات التي تتناول ما يسميه "العنف العربي ضد اليهود"، كما في إشاراته إلى محمد سمرين في كتابه "قريتي قالونيا"، بينما يتخذ موقفًا أكثر حدة تجاه رواية مصطفى الدباغ في موسوعته "فلسطين بلادنا"، التي يرى فيها تعبيرًا واضحًا عن السردية الوطنية الفلسطينية المرتبطة بطبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني.
ورغم اعترافه بجوانب من العنف والاستيطان والتهجير، فإن كوهين يعيد في نهاية المطاف إنتاج الرواية الصهيونية بصيغة تبدو أكثر حداثة و "توازنًا" أكاديميًا، مع بقائها منحازة في جوهرها إلى مركزية التجربة اليهودية والهواجس الأمنية الصهيونية. كما لا يفوته، شأنه شأن كثير من الكتّاب الإسرائيليين، تحميل الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، مسؤولية "توتير الأجواء" والتحريض الذي سبق هبّة البراق، في مقاربة تختزل أسباب المواجهة في البعد الديني وخطابات التعبئة، بدل ربطها بجوهر المشروع الصهيوني وسياسات الاستيطان والاستيلاء على الأرض والمقدسات.
ويظهر هذا التوجه بوضوح أكبر في الطريقة التي يربط فيها كوهين أحداث 1929 بالمخاوف الوجودية اليهودية، بل ويضعها أحيانًا ضمن سياق اضطهاد اليهود في أوروبا، وخاصة في ألمانيا. وهنا تتجلى إحدى أخطر أدوات معركة السرديات، والمتمثلة في نقل الصراع من سياقه الاستعماري الاستيطاني المحلي في فلسطين إلى سردية اضطهاد يهودي عالمي، بما يساهم في تبرير المشروع الصهيوني والعنف الذي رافقه لاحقًا، وتقديمه كأنه معركة بقاء ودفاع عن النفس، لا مشروع اقتلاع وسيطرة واستيطان.
ومن هنا، فإن استحضار هبّة البراق في ذكرى النكبة لا يهدف فقط إلى استعادة حدث تاريخي، بل إلى فهم الكيفية التي تشكلت بها الروايات المؤسسة للصراع، وكيف استُخدمت الذاكرة والخوف والمظلومية لتبرير سياسات الاقتلاع والتطهير التي بلغت ذروتها في نكبة 1948 وما تزال مستمرة حتى اليوم. فمعركة الرواية ليست مجرد نقاش تاريخي أو أكاديمي فحسب، بل هي جزء من الصراع على الوعي والهوية والحق والوجود. ولهذا بقيت السردية الفلسطينية أكثر قدرة على البقاء، لأنها ليست مجرد خطاب سياسي، بل ذاكرة شعب حيّ يحمل نكبته جيلاً بعد جيل. 
 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة