أثبتت التجارب الإنسانية والأبحاث العلمية، قديما وحديثا، أن الوقاية تمثل الطريق الأقصر والأكثر نجاعة في مواجهة الجريمة والانحراف، وأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لا تؤدي إلا إلى تدوير الأزمة وتعميقها. فالجريمة لا تولد فجأة، بل تنمو تدريجيا في بيئة مهملة، وتُغذى بسوء التربية، وضعف التعليم، والتفكك الأسري، وغياب المتابعة الاجتماعية. ومن هنا، يستطيع أي مجتمع أن يمنع الجريمة أو يقلصها إلى أدنى حد ممكن إذا التزم بخطوات وقائية واضحة وجدية.
إن حجر الأساس في الوقاية من الجريمة هو بناء الإنسان بناء سليما أخلاقيا ونفسيا وفكريا. فالتربية الصحيحة داخل الأسرة، والمدعومة بدور فاعل للمؤسسات التربوية، تزرع في الطفل قيم الانضباط، والمسؤولية، واحترام القانون والآخرين. فالإنسان السوي أقل عرضة للانحراف، وأكثر قدرة على مواجهة الإغراءات والضغوط التي قد تدفعه إلى الطريق الخاطئ.
لا يمكن الحديث عن تربية سليمة دون منظومة تعليمية قوية. لذلك، يتوجب تحسين أوضاع المدارس ماديا وتربويا، ووضع مناهج تعليمية حديثة تضع الطالب في مركز الاهتمام، وتنمي قدراته الفكرية، وتحفز الإبداع والنقد البناء بدل الحفظ والتلقين. كما أن اختيار الأكفأ والأصلح لمهنة التدريس، علميا وأخلاقيا، يشكل عاملا حاسما في تشكيل شخصية الطالب وحمايته من الانحراف.
لا يمكن تجاهل حقيقة أن نسبة غير قليلة من الأهالي تعاني من محدودية الثقافة وضعف المعرفة بأساليب التربية السليمة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المدرسة والمؤسسات التربوية والاجتماعية التابعة للسلطات المحلية مطالبة بلعب دور تكميلي، وأحيانا بديل، عن دور الأسرة، من خلال الإرشاد والمتابعة وبرامج الدعم الأسري والنفسي، لسد الفراغ التربوي قبل أن يتحول إلى مشكلة سلوكية خطيرة.
يتوجب على مكاتب الخدمات الاجتماعية في كل سلطة محلية إجراء مسح شامل ومنهجي للعائلات المفككة أو المعرضة للخطر، والتركيز على علاج أوضاعها مبكرا. وفي الحالات القصوى، قد تستدعي المصلحة الفضلى للأطفال وضعهم منذ الصغر في مؤسسات داخلية تربوية، تضمن لهم بيئة آمنة وصحية، وتبعدهم عن الأجواء السلبية التي قد تقودهم مستقبلا إلى الجريمة والانحراف.
إن تسرب الطلاب من مقاعد الدراسة يُعد من أخطر المؤشرات الاجتماعية، إذ تشير التجارب إلى أن شريحة كبيرة من المجرمين خرجت من هذا المسار. لذلك، يجب التعامل مع ظاهرة التسرب بجدية قصوى، من خلال المتابعة الفردية، والدعم النفسي والتعليمي، وإيجاد أطر بديلة جاذبة تمنح الطالب شعورا بالانتماء والأمل بالمستقبل.
أخيرا وليس آخر , إن الاستثمار في الوقاية ليس ترفا، بل ضرورة مجتمعية وأمنية وأخلاقية. فكل جهد يُبذل في التربية والتعليم والرعاية الاجتماعية، يوفر أضعافه من المعاناة والخسائر لاحقا. وحقا، فإن الوقاية خير من قنطار علاج، وبناء الإنسان اليوم هو الضمانة الحقيقية لأمن المجتمع غدا، وهو الطريق نحو مجتمع أكثر وعيا واستقرارا وعدالة
.الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency