في المجتمعات التي يضعف فيها حضور القانون، أو يتأخر فيها ردع الجريمة، تنشأ تلقائيًا بدائل اجتماعية تُحاول سدّ الفراغ. من بين هذه البدائل “الوساطة”، التي كانت في أصلها فعلاً إنسانيًا نبيلًا، يقوم على الإصلاح بين الناس، ووأد الفتنة، وإعادة الاعتبار لقيم العفو والتسامح،غير أنّ هذه الوساطة، في زمن الفوضى والعنف المتصاعد، انزلقت في كثير من الحالات إلى ممارسة مبتذلة، فاقدة للروح، ومشبعة بالمصالح..
لم تعد الوساطة اليوم، في بعض البيئات، عملاً أخلاقيًا خالصًا، بل تحوّلت إلى “منظومة” موازية، تُدار أحيانًا بمنطق النفوذ، أو المال، أو الظهور الإعلامي،،. فبدل أن تكون جسرًا بين القلوب، صارت منصة لالتقاط الصور وتسجيل النقاط، وتلميع الأسماء، وهنا يكمن الخلل الجوهري:_ حين تُختزل القيم الإنسانية في مشهدٍ استعراضي، يفقد الصلح معناه، ويتحوّل إلى إجراء شكلي لا يمسّ جذور الأزمة..
السؤال الجوهري:_ هل يجوز أن تكون هذه الوساطات أداة تربوية في واقعٍ كهذا؟
الإجابة ليست بسيطة' من حيث المبدأ، نعم—يمكن للوساطة أن تؤدي دورًا تربويًا، إذا انطلقت من مرجعية أخلاقية صادقة، واستندت إلى عدالة حقيقية، لا إلى توازنات القوة..
الوساطة التي تُعلّم الناس ثقافة الحوار، وتُعيد بناء الثقة، وتُرسّخ قيمة الاعتراف بالخطأ، هي وساطة تُسهم في بناء المجتمع' أما الوساطة التي تُساوي بين الجاني والضحية تحت شعار “إغلاق الملف”، فهي تُكرّس الظلم، وتُربّي الأجيال على الإفلات من المسؤولية..
إن أخطر ما في “الوساطة المبتذلة” أنها تُحاول—بشكل غير مباشر—أن تحلّ محلّ المؤسسات القضائية والتنفيذية، دون أن تمتلك أدواتها أو شرعيتها. فهي لا تُحقق عدالة ملزمة، ولا تُؤمّن حماية حقيقية، بل تُنتج تسويات هشة، قابلة للانفجار عند أول احتكاك. وهنا يتحمّل الجهاز الرسمي—حكومةً ومؤسسات—جزءًا كبيرًا من المسؤولية؛ إذ إن غياب الردع، أو بطء الإجراءات، أو ضعف الثقة بالقضاء، يدفع الناس إلى البحث عن بدائل، حتى وإن كانت ناقصة أو مشوّهة..
أما الطبقات البسيطة، فهي الأكثر تضررًا من هذه الظاهرة، فهي تدخل في مسارات وساطة مُرهِقة، تُحمَّل فيها أعباء مادية أو اجتماعية، دون أن تنال إنصافًا حقيقيًا. وفي كثير من الأحيان، تُفرض عليها تسويات باسم “المصلحة العامة”، بينما الحقيقة أنها تُخفي اختلال ميزان القوى، وتُعيد إنتاج الظلم بشكلٍ أكثر هدوءًا، لكنه أكثر عمقًا..
إن الوساطة التي تُدار بمنطق الربح—سواء كان ربحًا ماديًا أو معنويًا—تفقد جوهرها. فالصلح ليس صفقة، والغفران ليس إعلانًا دعائيًا، والدماء لا تُمحى بصورة جماعية أمام الكاميرات، وإذا كان الهدف إعلاميًا أو تسويقيًا، فإن النتيجة الحتمية هي تآكل الثقةالمجتمعية، وتحوّل الوساطة إلى عبءٍ إضافي بدل أن تكون حلًا..
من هنا، لا بد من إعادة تعريف دور الوساطة ضمن حدودها الطبيعية:-
أن تكون مكملة للقضاء، لا بديلًا عنه.
أن تنطلق من مبدأ العدالة أولًا، ثم التسامح.
أن تُحترم فيها كرامة الضحية، لا أن تُطمس باسم “إنهاء الخلاف”..
أن تخلو من الابتزاز، أو الاستعراض، أو المقابل الخفي..وفي المقابل، على المؤسسات الرسمية أن تستعيد دورها الحقيقي:- فرض القانون بعدالة، حماية المواطنين، وتسريع الإجراءات القضائية. فالمجتمع لا يُبنى على “الترضيات”، بل على ميزان واضح من الحق والواجب..
خلاصة القول:-
ليست المشكلة في الوساطة كفكرة، بل في تشويهها كممارسة. فإذا بقيت على حالها الراهن—مزيجًا من الشكلية والمصلحة—فهي لن تُسهم إلا في تعميق الفجوة بين الناس، وإضعاف هيبة القانون. أما إذا أُعيدت إلى أصلها الأخلاقي، وضُبطت بضوابط العدالة، فقد تستعيد دورها كجسرٍ حقيقي، لا كقناعٍ يُخفي خللًا أكبر..
وما بين الجسر والقناع، تقف المجتمعات اليوم أمام اختبارٍ صعب:- إمّا أن تُصلح أدواتها، أو أن تُجمّل أزماتها… وفي التجميل ضياعٌ لا يُرى إلا بعد فوات الأوان..
هذا هو رأيي الشخصي كيفما اشاهد الامر أمامي..من منطلق قول الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه.. وان كنت على خطأ
فقوموني..
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency