إهمال مقصود وتمييز ممنهج: من فمهم ندينهم

محمد دراوشة
نُشر: 07/05/26 11:44

منذ سنوات طويلة، يحاول كثيرون تفسير تفاقم العنف والجريمة في المجتمع العربي بطرق تُبعد المسؤولية عن الدولة: مرة يقولون إنها “مشاكل داخلية”، ومرة “ثقافة العنف”، ومرة “غياب القيادة”. لكن الحقيقة التي يعرفها كل عربي في هذه البلاد، والتي وثّقتها لجان التحقيق الرسمية، وأكّدها رؤساء حكومات ورؤساء دولة ومسؤولون كبار، هي أن ما نعيشه ليس نتيجة صدفة ولا فشلًا إداريًا. إنه إهمال مقصود وممنهج، تمامًا كما هو التمييز.

في عام 2003، وبعد هبة الأقصى- أكتوبر 2000، أصدرت لجنة أور تقريرها الشهير. التقرير لم يكن بيانًا سياسيًا، بل وثيقة رسمية صادرة عن لجنة تحقيق حكومية. وجاء فيه بوضوح أن “حكومات إسرائيل ميزت ضد المواطنين العرب بشكل ممنهج ومقصود”. هذه الجملة وحدها كافية لتفكيك كل الروايات التي تحاول تصوير التمييز كـ“شعور” أو “انطباع”. عندما تقول الدولة عن نفسها إنها مارست التمييز بشكل منهجي، فهذه ليست وجهة نظر — بل اعتراف رسمي.

ولم يتوقف التقرير عند التمييز في الخدمات أو الميزانيات، بل أشار إلى غياب الثقة بين الدولة ومواطنيها العرب، وإلى فشل الشرطة في حماية المواطنين العرب، وإلى تعامل مختلف مع الاحتجاجات العربية مقارنة باليهودية. كل هذه النقاط ليست مجرد خلفية تاريخية، بل أساس لفهم ما يحدث اليوم.

بعد أكثر من عقد على تقرير لجنة أور، جاء تصريح آخر من داخل المؤسسة نفسها. الرئيس السابق رؤوفين ريفلين قال في عام 2019 إن تعامل الحكومة مع العنف في المجتمع العربي هو “إهمال إجرامي”. لم يقل “إهمال مؤسف”، ولا “تقصير مؤقت”، بل استخدم كلمة تحمل معنى واضحًا: الإهمال هنا ليس مجرد فشل، بل فعل ذو تبعات خطيرة، يرقى إلى مستوى الجريمة.

عندما يستخدم رئيس الدولة هذا الوصف، فهو لا يتحدث من موقع المعارضة، ولا من موقع الخصومة السياسية. إنه يتحدث من موقع أعلى منصب رمزي في الدولة، وبناءً على معطيات رسمية وتقارير أمنية.

المعطيات المنشورة خلال السنوات الأخيرة تكشف حجم الفجوة في تعامل الدولة مع الجريمة:

- تقارير “مراقب الدولة” أشارت مرارًا إلى نقص حاد في مراكز الشرطة في البلدات العربية مقارنة باليهودية.
- معطيات الشرطة نفسها أظهرت أن نسبة حلّ جرائم القتل في المجتمع العربي أقل بكثير من المجتمع اليهودي.
- تقرير “مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست” عام 2021 أشار إلى أن أكثر من 70% من الأسلحة غير القانونية موجودة في البلدات العربية، وأن الدولة تعرف مصادرها ومساراتها، لكنها لا تتعامل معها بالجدية المطلوبة.

عندما تتراكم هذه المعطيات — التمييز الموثّق، الإهمال الموصوف بأنه “إجرامي”، الفجوات في الخدمات، ضعف تطبيق القانون، انتشار السلاح — يصبح من الصعب جدًا الادعاء بأن ما يحدث هو مجرد “سوء إدارة”.  الإهمال هنا ممنهج، لأنه مستمر رغم التحذيرات.  وهو مقصود، لأنه يُدار بمعايير مختلفة تمامًا عن تلك التي تُدار بها قضايا العنف في المجتمع اليهودي.  وهو سياسي، لأنه مرتبط بنظرة الدولة إلى مواطنيها العرب منذ قيامها.

نحن لا نحتاج إلى هذه التصريحات كي نعرف الحقيقة. نعيشها يوميًا. نرى كيف تُترك بلدات كاملة بلا حماية، وكيف تتراكم ملفات القتل بلا حل، وكيف تُدار هذه القضية بمعايير مزدوجة. لكن عندما تأتي هذه الاعترافات من داخل المؤسسة نفسها — من لجنة تحقيق حكومية، من رئيس دولة، من مراقب الدولة، من معطيات الشرطة — فهي تصبح دليلًا إضافيًا على ما نعرفه: الإهمال ليس عشوائيًا، بل سياسة.

المطالبة بالأمان ليست رفاهية. بل حق أساسي. والمطالبة بالمساواة ليست مطلبًا سياسيًا، بل أساس المواطنة. وما لم تُعامل حياة العربي كما تُعامل حياة أي مواطن آخر، سيبقى هذا الإهمال وصمة عار في جبين الدولة، وسيبقى هذا التمييز حقيقة لا يمكن تغطيتها، يفضح النوايا والأفعال العنصرية.

اليوم، ونحن نرى العنف يتصاعد بلا رادع، ونرى عائلات تُفجع يومًا بعد يوم، يصبح من واجبنا أن نذكّر بهذه الحقائق. ليس لأننا نبحث عن تبرير لغضبنا، بل لأننا نرفض أن يُقال لنا إننا “مبالغون”، أو إن المشكلة “داخلية فقط”. من فمهم ندينهم، ومن وثائقهم نثبت ما عاشه مجتمعنا عقودًا طويلة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة