الإنسان يولد وعقله شاشة بيضاء

صالح نجيدات
نُشر: 04/05/26 21:43

يولد الإنسان صفحةً بيضاء، وعقله أشبه بشاشة نقية لم تُكتب عليها بعدُ أي أفكار أو أحكام أو تصنيفات. فلا أحد يولد طائفياً أو قبليا أو مذهبيا أو عنصريا ، ولا يحمل في داخله بذور الكراهية تجاه الآخر المختلف. إن هذه المشاعر والأفكار لا تُولد مع الإنسان، بل تُزرع فيه مع مرور الزمن، عبر ما يتلقاه من محيطه الأسري والاجتماعي والثقافي.
فالطفل في سنواته الأولى يتأثر بشكل عميق بما يسمعه ويراه، ويكتسب قيمه واتجاهاته من الأسرة قبل أي مؤسسة أخرى. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ قد يُغرس في وعيه – دون إرادته – خطاب إقصائي أو أحكام مسبقة تجاه فئات أو جماعات مختلفة عنه. ومع تكرار هذا التلقين، تتحول هذه الأفكار إلى قناعات راسخة يصعب زعزعتها لاحقا، فينشأ الفرد وهو يحمل صورة مشوهة عن الآخر.
لكن هذه القوالب النمطية ليست قدرا محتوما. فبإمكان الإنسان أن يعيد النظر في ما ترسخ لديه، وأن يتحرر من القيود الفكرية التي فُرضت عليه في مراحل مبكرة من حياته. تبدأ هذه العملية أولا بالوعي، أي إدراك أن كثيرا من أحكامنا ليست نتاج تجربة شخصية، بل نتيجة تلقين سابق. ومن ثم تأتي الخطوة الأهم، وهي الانفتاح على الآخر المختلف.
إن التواصل المباشر مع المختلفين في الدين أو العرق أو الثقافة أو الطبقة الاجتماعية، يُعد من أقوى الوسائل لتحطيم الصور النمطية. فالمعرفة الحقيقية لا تأتي من السماع، بل من التجربة والتفاعل. وعندما يقترب الإنسان من الآخر، يكتشف إنسانيته المشتركة، ويُدرك أن ما يجمع بين الناس أكثر بكثير مما يفرقهم.
في المقابل، فإن الانغلاق داخل دائرة ضيقة من الانتماءات القبلية أو الطائفية أو الفئوية يُعمّق الجهل ويُغذي التعصب. فالشخص الذي يرفض التعرف على الآخر، إنما يحرم نفسه من فرصة النمو الإنساني والفكري، وقد يعيش أسير أوهام لا تمت للواقع بصلة، مما ينعكس سلبا على سعادته وتوازنه الداخلي.
إن بناء مجتمع متماسك ومتعدد لا يتحقق إلا عبر تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح، وتشجيع الأفراد على تجاوز الأحكام المسبقة. فكل إنسان مسؤول عن مراجعة ما يحمله من أفكار، وعن إعادة “فلترة” ما زرع فيه من تصورات سلبية دون اختياره. وهذه المسؤولية الأخلاقية تُعد خطوة أساسية نحو بناء وعي إنساني ناضج.
وأخيرا وليس آخرا ، يبقى الإنسان كائنا قادرا على التغيير. فإذا كان قد وُلد بعقل نقي، فإنه قادر – في أي مرحلة من حياته – على استعادة هذه النقاوة، من خلال الوعي، والتفكير النقدي، والتواصل الصادق مع الآخرين. وعندها فقط، يمكنه أن يعيش إنسانيته الكاملة، بعيدا عن قيود التعصب وضيق الأفق.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة