قراءة في كتاب"هكذا انتهت البداية" سيرة ذاتية للشاعر والكاتب إحسان موسى أبوغوش٫والتي تقع في 232من الحجم المتوسط٫عن دار الرّعاة للنشر والتّوزيع -رام الله٢٠٢٥٫.
بين رنين الماضي وأجراس الحاضر،وبين غيوم الأحداث على الصعيد العام السياسي، والشخصي،وما بين حدائق الحرف،ما بين الأماكن،وما بين المشاعر،يحضن الشاعروالكاتب إحسان أبوغوش أوراق أيلوله في كتاب ،ويكتب سيرته الذاتية.
العنوان"هكذا انتهت البداية"نجد فيه الطباق (بداية،نهاية)ويثير في القارئ بعض التساؤلات الحيرى،والأسئلة الفلسفية متى تنتهي بداية العمر؟وماذا بعد البداية هل ستشرق بداية جديدة؟أم انتهت البداية لتبدأ فصول بداية أخرى هي مشواره في تربية الأبناء وتزويجهم وتجارب أخرى؟
في كتابه"هكذا انتهت البداية" يخاطب أبوغوش ابنه البكر الطفل "تيم"من خلال حكاية سيرته الذاتية، لا يكتب إحسان عن تجربته الخاصة فقط،وإنّما هي سيرة يمكن اعتبارها تعبر عن العام،عن الفلسطيني،والذي يعتبر مواطنا إسرائيليا،وبالتالي فهذا المواطن يواجه صعوبات،سواء في العمل،أو في إصدار رخصة البناء،وتحديات في مواجهة الواقع المشوش،في وضع قوانين مجحفة بحق الفلسطينيين داخل إسرائيل،مثل هدم البيوت ومحاولة منع الآذان من خلال سنّ قوانين معينة،مشكلة الضائقة السكنية وغيرها،و تنتفض الروح في مرحلة معينة في البحث عن الذات ،الهوية،والانتماء،وثمّ استقراره.
في هذه السيرة يتمرد إحسان على نفسه أولا،من مسالم إلى متمرد،فيتمرد على بعض المواقف الاجتماعية أو السياسية، أوالأفكارو المعتقدات،أو السلوكيات،فعلى سبيل المثال لا الحصر، يرفض الاستسلام لنظرة الآخرين لبلدته أبوغوش كصحن حمص شهي،لأنها لا تقتصر البلدة على الأكل، وإنمّا فيها العلم والثقافة، كما يرفض زعم الكثيرون ربط أصول قريته وجذورها من الشركس.
ما يميز هذه السّيرة أنها كتبت بحبر الصدق،والشفافية،وبدون ذكر أسماء معظم الشخوص الذين تحدث عنهم.ومن خلال معرفتي العامة بسيرة إحسان كإبنة أبوغوش ،فهو يمثل الشاب الطموح،المثابر،صاحب الأخلاق الحسنة،المتواضع،المعطاء،ولأنّه يحب قريته ويغار عليها،فإنّه يوجه انتقاداته من أجل الصالح العام،لا لمصالح شخصية.ولذا من خلال سيرته أراد أن لا يخاطب ابنه فقط وإنما هو يخاطب الأجيال القادمة من أجل المزيد من الوعي الثقافي،السياسي،والاجتماعي،لبناء نحو مجتمع أفضل،ومما يذكر أن الفترة الزمنية التي يكتب عنها من بداية طفولته حتى حرب غزّة،مبينا التغيرات والأحداث التي حدثت على الناحية السياسية عامة،والتغيرات والتحولات الاجتماعية والسياسية في قريته بشكل خاص،وأثر ذلك على تطور شخصيته.فالشاعر أبوغوش يعبر عن التحام الخاص بالعام وأثره على المجتمع والفرد.ففي هذه السيرة التي تمتلئ بتجاربه المهنية والتربوية في قريته كمدرس للغة العربية،وعدّة وظائف تربوية، وأهمها مدير قسم الثقافة،نلاحظ اهتمام إحسان بالكتاب؛ فالكتاب كما يقول "طه حسين"هو كالماء والهواء،فكانت مساهمته كثيرا في المشهد الثقافي،وكانت وصاياه لابنه بأهمية اللغة العربية والثقافة،وفي خير جليس في الزمان كتاب،فقد أخذ الكتاب حيزا كبيرا في سيرته،صفحات عديدة،سواء ما كتبه النقاد في ندوة اليوم السّابع عن ديوانه الشعري"دمعة تخفي ظلها"،أو قراءة في كتب أخرى،أو ذكر أسماء الكتب والرّوايات التي قرأها،أو قراءته النقدية لبعض الكتب.
المكان في سيرته هو الانتماء،هو كسر حاجز العزلة الثقافية والاجتماعية،هو جسر للتواصل ومعرفة الآخر.وهو ذاكرة لا تمحى في أرشيفه الفلسطيني،فنجده يستشهد ببعض القصائد التي تعبر عن المكان المرتبط بالنكبة والنكسة كقصائد مثل"عمواس" "لفتا"،المكان يبدأ من قريته أبوغوش ويمتد إلى مدن عديدة. "رام الله""حيفا" "القدس""عمان"وغيرها.
المرأة والعاطفة-المرأة في حياة إحسان هي الزوجة الحبيبة،والأم الحنونة.يعبر إحسان عن عاطفته تجاه الأنثى منذ مرحلة المدرسة، والجامعة،وتصل ذروة العاطفة في حبه لزوجته،وتقديره لها،ويتضح ذلك من خلال كتابة قصيدة لها،ومدحه لها كثيرا في صفحات الكتاب،وإبراز مدى ثقافتها خاصة كونها إعلامية"رماح مفيد"،وأبرز الجانب الأدبي عندها،حيث قامت بتأليف قصة للأطفال"تيم وحصانه شجاع".عاطفته تجاه ابنيه(تيم،عمر)فهو يهديهم كتابه،"إلى فلذات كبدي،وشهيقي في الحياة ونور عيني الذي لن يصادف الظلام من بعدهما،أبنائي تيّم،وعمر أجمل ما أملك".
الفلسفة -نلاحظ تأثر إحسان عند كتابته للسيرة الذاتية من الأساليب الفلسفية؛ بسبب تعلمه لموضوع الفلسفة،فأسلوب الفلسفة يبدو جليا من العنوان والمقدمة،وخلال سرده،فقد كان يستشهد بآراء الفلاسفة،والأسلوب الفلسفي الذي يعتمد على السؤال والجواب والتمحيص،وتقديم البراهين العقلية،وحواره مع ذاته،فالحوار مع الذات هو جزأ من الفلسفة،يخلق التأمل والتفكير.
وكما يقول أفلاطون" التفكير هو حديث الروح مع نفسها".فالفيلسوف في تأمله يقوم في الواقع بمحاورة ذاته، طرح الأسئلة، والإجابة عليها،ونجد إحسان يتطرق أيضا لمواضيع فلسفية في حواره مع ذاته في قضية الموت وما بعده والإنسان بخيره وشره. مثال:ما الموت؟وماذا يوجد بعد الموت؟"هل الإنسان خير في طبعه ؟هل الإنسان شرير في طبعه أم هو صفيحة بيضاء".
من خلال هذه السّيرة يوجه الشاعر إحسان عدّة رسائل لإبنه،أو لكلّ قارئ،في مواجهته بعض الصعوبات والظروف في مراحل حياته.
من تلك الرسائل التي استفاد منها في تجربته بالحياة،هو التفكير الإيجابي المبني على الثقة بالنفس والإيمان،والاعتماد على النفس يجعل الفرد قويا رغم الأشواك.يؤمن إحسان أن لكل إنسان رسالة يجب أن يؤديها،وأنه يتوجب عليه أن يكتشف نفسه.وأن يتخذ الإنسان الموقف الصحيح الذي يرضي أفكاره وإيمانه،وأن الإنسانية قبل كلّ شيء،والموازنة بين العقل والعاطفة.
الأساليب التي استخدمها أبوغوش في كتابة سيرته:
يبدأ من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب(يا بني)،بأسلوب سلس انسيابي،وفلسفي عميق في طرح الأسئلة والنقد والمواضيع المختلفة،استشهد بقصائده ليعزز مدى تأثره سواء على الناحية العاطفية أو السياسية.وقد كانت القصائد بمثابة استراحة للقارئ،للتأمل،وخروجه عن نمط السرد العادي،للتحليق في الخيال والإبداع.
لم يكن الترتيب الزمني مرتبا في السيرة،بل كان يتماشى مع المحطات المختلفة التي يتوقف عندها. حسب الجوانب الاجتماعية أو العاطفية وغيرها.
استخدم التناص الأدبي،والديني،وذكر الأدباء والشعراء وبعض الفلاسفة وآرائهم.
استخدام التواصل الاجتماعي "الفيس بوك".
أسلوب الإسهاب،فهو يسهب كثيرا في عرض نقد بعض الروايات،أو مسلسل ما.
استخدام أسلوب "الأنا" في سرده متفاعلا مع ذاته وتقديره لنفسه.
"كنت ثوريا في ذلك الوقت وتجمعيا بامتياز"
"مع أنّي كنت وطنيا بامتياز"
"كان تحصيلي العلمي ممتازا في معظم المراحل المدرسية".
"وباقي اللعب الأخر التي أتقنتها بامتياز".
"إنني قد حققت نجاحا ما في وظيفتي هذه".
قارن بين الماضي والحاضر في تقاليد وشكل اللعب عند الأطفال."سبعة حجارة"، و"بيت بيوت".بين التراث الفلسطيني من خلال سرد أثر جدته عاطفياً بالنسبة له.فظهرت المفردات"الطاحونة"،"المهباش"
"القدّوم""الطابون".وتربية المواشي.
ملاحظات حول الكتاب:
يسهب الشاعر والكاتب إحسان أبوغوش كثيرا في عرض نقده لكتاب ما،مما يشكل بعض الملل للقارئ،أو ربما سيتجاوز قراءة المقال.على سبيل المثال كتاب"السيد مطر",للكاتب مجد كيال،أو حول قصيدة الشاعر إياس ناصر وغيره.
عبر أبوغوش عن آرائه ووجهة نظره في مواقفه السياسية والاجتماعية،وهو حرّ في رأيه. ونحترمه.
لكن لفت نظري وجهة نظره في طرح اسم الرئيس الراحل"ياسر عرفات"على دوار في إحدى شوارع القرية الرئيسية كونه أحد الأعضاء في مجلسه القروي،واستغربت من طرحه لأنّ الجواب يُعرف من عنوانه،كيف للمؤسسة الإسرائيلية أن تسمح بوضع اسمه، وهي تصنفه "كإرهابي".فالطرح لم يكن منطقيا.
وفي النهاية،نبارك للشاعر والأخ إحسان أبوغوش على هذه المجهود الرائع، والجرأة في طرحه ومصداقيته في سرده،ونتمنى له سنوات أخرى من العطاء والإبداع.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency