ليست الضجة التي تُثار بين الحين والآخر حول بعض الشخصيات الدينية المعروفة في الدول الخليجية، في بلاد الحجاز وغيرها، مجرد حدث عابر أو تفاعل عفوي مع مواقف فردية، بل يمكن وضعها في إطار أوسع يساعد على فهمها فهمًا أدق. فالأمر لا يتعلق فقط بأشخاص بعينهم، بل بطريقة توظيف هذه الشخصيات في الفضاء الإعلامي، وبالدور الذي يُعاد إنتاجه لهم في لحظات محددة، غالبًا ما تكون مشحونة بالتحولات السياسية والثقافية.
وليس من قبيل المصادفة أن يُسلط الضوء إعلاميًا على أسماء بعينها من الدعاة أو الأئمة وأصحاب الحناجر الندية في تلاوة القرآن والإنشاد الديني، وأن تُزج في سياقات مثيرة للجدل تُضعف رصيدها الرمزي في وعي الجمهور. فهذه الشخصيات، التي كانت تُقدم يومًا نماذج للاقتداء، يجري دفعها تدريجيًا نحو أدوار تعيد تشكيل صورة "القدوة"، عبر إقحامها في مواقف ملتبسة تفتح باب الشك حول مدى اتساقها مع ما تمثله.
وفي هذا المقام، لا يعود الجدل محصورًا في مضمون التصرفات ذاتها، بقدر ما يرتبط بوظيفتها الرمزية. فهل نحن أمام ممارسات فردية عفوية، أم أمام عملية إعادة صياغة متعمدة لصورة العناوين الدينية في المجال العام؟ وما الذي يعنيه أن تتحول بعض هذه الرموز إلى مادة دائمة للإثارة في توقيتات لا تخلو من دلالات؟
وتتضح ملامح هذا المسار عند النظر إلى نماذج محددة، سبق أن تناولت بعضهم في مقالات سابقة. فظهور الشيخ عادل الكلباني، إمام المسجد الحرام السابق والحافظ لكتاب الله، في سياقات ترفيهية وإعلانية، من مشاركته في فعاليات مثيرة للجدل إلى حضوره في أعمال ترويجية ذات طابع استعراضي، يتجاوز كونه خيارًا شخصيًا، ليطرح أسئلة جدية حول طبيعة الدور الذي يُعاد رسمه للشخصية الدينية، وحدود الانتقال من موقع الإمامة والرمزية إلى فضاءات الترفيه والتسويق.
وفي سياق آخر، أثار مقطع للشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب الحرم المكي الشريف، ورئيس الشؤون الدينية في المسجد الحرام والمسجد النبوي، يتحدث فيه عن تفاصيل طعامه في شهر رمضان تفاعلًا واسعًا. ولم يكن الجدل حول مضمون الحديث بحد ذاته، بل حول التناقض الذي يتضح بين موقعه الديني ونوع الحضور الذي ظهر به، في لحظة تشهد فيها غزة حرب إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا ممنهجًا، يترافق مع حصار خانق وتجويع متعمد يطال المدنيين. وفي مثل هذا السياق، لا يبدو الأمر مجرد تفصيل عابر، بل يكشف عن فجوة عميقة بين طبيعة الموقع الديني وحساسيته المفترضة، وبين الخطاب الذي يُقدم في لحظات بالغة القسوة. وهذا التباين بين الموقع والرسالة والسياق العام هو ما يمنح مثل هذه المقاطع أبعادًا تتجاوز ظاهرها البسيط.
ولا يمكن فصل هذه الأمثلة، وغيرها، عن سياق أوسع يعيد إنتاج حضور الشخصيات الدينية بطريقة تُضعف رمزيتها تدريجيًا، وتحولها إلى مادة جدل مستمر، بما يساهم في إرباك صورة القدوة في وعي الجمهور. وعند هذه النقطة، يمكن فهم حالات أكثر حدّة، تعكس انتقالًا واضحًا نحو توظيف مباشر في خطاب سياسي وإعلامي صدامي.
وفي هذا الإطار، تبرز حالة مشاري راشد العفاسي باعتبارها نموذجًا أكثر وضوحًا لهذا التحول. فقد أثار جدلًا واسعًا بعد طرحه أغنية بعنوان "تبت يدين إيران واللي مع إيران"، وهي ليست مجرد عمل فني عابر، بل خطاب سياسي مباشر بصيغة إنشادية، يوظف فيه رصيده الديني وصوته المعروف في تلاوة القرآن لخدمة موقف سياسي حاد في لحظة شديدة الحساسية. وهنا لا يعني ذلك، بأي حال، الدعوة إلى الاصطفاف مع إيران أو تبرير سياساتها ودورها المعروف في المنطقة، بما في ذلك تدخلاتها ذات الطابع الطائفي في عدد من الدول العربية والإسلامية، غير أن الإشكال يكمن في السياق نفسه، وفي طبيعة توظيف الخطاب الديني بهذا الشكل، وفي توقيته، لا في أصل الموقف السياسي بحد ذاته.
واللافت في هذا التحول ليس فقط مضمون الأغنية، بل طبيعة الانتقال نفسه، من موقع القارئ والمنشد الديني إلى فاعل في خطاب سياسي صدامي يستهدف أطرافًا بعينها. فقد تضمن العمل رسائل واضحة، مدعومة بصور استعراضية عسكرية ومشاهد تحاكي الحروب، ما يعكس اندماجًا كاملًا بين الخطاب الديني والرسائل السياسية التعبوية، في مشهد غير مألوف بهذا الشكل الصريح والمباشر.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن مواقف سابقة للعفاسي، اتسمت بحدة واضحة في التعاطي مع خصوم سياسيين وفكريين، لا سيّما في هجومه المتكرر على جماعة الإخوان المسلمين، مستخدمًا أوصافًا جارحة مثل "إخوان الكلب"، وكذلك في مهاجمته لفصائل المقاومة في غزة ونعته لهم بـ"الخونة". وهذه اللغة القاسية لا تُفهم في إطار خلاف فكري أو اجتهاد ديني، بل تعكس نمطًا من الخطاب يتقاطع بشكل مباشر مع مواقف الأنظمة وخطاباتها، ويكشف عن حالة قرب من دوائر الحكم وبلاط الملوك والأمراء، كما تُظهر توظيفًا واضحًا لرصيده الديني وصوته وقراءته للقرآن في خدمة خطاب عدائي يستهدف خصومًا بعينهم، بما يعزز صورة الاصطفاف السياسي أكثر مما يعكس اجتهادًا مستقلًا.
إلى جانب ذلك، تعرض العفاسي لانتقادات تتعلق بنمط حضوره العام، من ظهوره في سياقات تعكس مظاهر رفاهية لافتة إلى ارتباطه بمواقف سياسية دولية مثيرة للجدل، ما يجعله حالة إشكالية تعكس خروجًا واضحًا عن الدور التقليدي للقارئ والمنشد الديني. وهنا لا يعني ذلك محاسبته على رفاهيته أو تفاصيل حياته الشخصية، بل التوقف عند طبيعة هذا الحضور حين يتقاطع مع خطاب ديني يُفترض فيه قدر من الاتساق مع القيم التي يُمثلها، ومع حساسية الموقع الذي ينطلق منه.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة هذه النماذج باعتبارها حالات فردية معزولة، بل كجزء من مسار أوسع يعيد تعريف موقع الشخصية الدينية في المجال العام، تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والإعلامية، وتُعاد من خلاله صياغة صورة "القدوة" بما ينسجم مع أولويات جديدة، على حساب الثقة بالرموز والهيبة الدينية، واستقرار البوصلة القيمية لدى الجمهور، فضلًا عن تغذية الجدل العقيم وتعميق الانقسامات، بما يشغل الناس ببعضهم البعض بدل توجيه الانتباه إلى القضايا المركزية، واستعادة وضوح البوصلة، والعمل على استعادة عافية الأمة ودورها في مواجهة التحديات الكبرى وبناء مشروعها الحضاري.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency