اخي القارئ . هل تبحث عن رواية تتحدث عن ظاهرة الخاوة، مضاعفاتها، أبعادها وتجلياتها، وشيء من احتمالات مواجهتها، في إطار متخيل.. يقربها من واقعنا العربي في البلاد.. هذا الواقع الذي عانى وما زال من هذه الظاهرة الخطيرة، وما تتفتق عنه من مستتبعات تساهم في اذكاء نار الجريمة، العنف والقتل؟.. اذا كنت تبحث من مثل هكذا رواية، كان من المفترض أن يكتبها لك واحد من كتابنا العرب في هذه البلاد وكاتب هذه السطور واحد منهم، فقد جاءت هذه الرواية من إحدى دول أمريكا اللاتينية، من البيرو تحديدا. وقد حملت عنوان "البطل المتكتم"، وصدرت عن دار الحوار الناشطة في مدينة اللاذقية السورية.. مترجمة الى العربية بهمة المترجم العربي الفلسطيني البارز صالح علماني.
مؤلف هذه الرواية هو الكاتب البيروفي الشهير ماريو فارغاس يوسا، المولود عام ١٩٣٦، وهو صاحب الوفير من الروايات والأعمال الأدبية المتنوعة، يذكر القارئ العربي له العديد من الروايات اللافتة، لعل أبرزها رواياته: "حفلة التيس"، "في مديح الخالة"، "من قتل موليرو"، "البيت الاخضر" و"الفردوس على الناصية الأخرى". إضافة إلى روايته هذه/ البطل المتكتم. قبل الدخول الى عالم روايته، موضوع حديثنا، نشير بكثير من التقدير إلى القدرات والطاقات الأدبية التخييلية الفائقة التي تمتع بها هذا الكاتب، الصحفي السياسي البارز، تلك الطاقات المتسمة بنزعة إنسانية دائمة التجلي، فيما يمكنك أن تقرأه من أعماله الروائية خاصة. وقد أهلته أعماله هذه، كما هو معروف وذائع للحصول على حائزة نوبل في مجالها الادبي لعام ٢٠١٠.
معظم اعمال هذا الكاتب ترجمت بأقلام عربية مجتهدة وجادة، وقف في مطلعها مترجم رواية البطل المتكتم هذه، صالح علماني، الذي قدم للثقافة العربية حوالي مائة من روائع الروايات، ناقلا معظمها عن اللغة الاسبانية التي اتقنها تمام الاتقان.
تقع رواية البطل المتكتم في ٤٤٦ صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها الحافلة بالاثارة والتشويق، حول رجل اعمال يدعى فليثيتو ياناكيه، وتنبىء قارئها بأن هذا الرجل ابتدأ حياته العملية سائقا متواضع الحال لسيارة نقليات، وأنه طور نفسه بقواه الشخصية حتى تمكن من تأسيس شركة نقليات خاصة به أطلق عليها اسم ناريهوالا. عندما تبدأ الرواية يلتقي قارئها فليثيتو، وقد توجه خارجا من بيته منطلقا باتجاه مكاتب شركته، وتقول إنه ما إن خرج من بيته حتى وجد رسالة تطالبه بأن يدفع لمراسليها مبلغا شهريا لقاء حمايتهم له ولشركته، وتطلب منه الانصياع لطلبها مثلما فعل الكثيرون من أمثاله من رجال الأعمال. يضع فليثيتو تلك الرسالة في جيبه، ويمضي في طريقه نحو حانوت تديره من سبق وآمن بها وبتنبؤاتها المبهرة الساحرة فيما يتعلق به.. بوضعه خلال يومه وغده، عندما يتحدث مع هذه تقترح عليه خلافا لكل توقعاته.. أن يشتري راحة باله بالمبلغ التي تطلب منه الرسالة دفعه لمرسليها، غير أنه يضمر عدم الرضوخ لأي تهديد كما كان يوصيه والده المرحوم، ويواصل طريقه باتجاه بيت محظيته مابيل، التي ارتبط بها دون علم زوجته، ومكنها بالتالي من الإقامة المريحة في شقة مستاحرة، بحيث يتمكن من زيارتها مرة أو مرتين أسبوعيا. مابيل هذه ايضا تعرب عن ميلها لما سبق وسمعه من ساحرته الموثوق بها، الأمر الذي يزيد الأمر تعقيدا. عندما يغادر فليثيتو شقة مابيل، يواجه برسالة اخرى، معلقة على جدار قريب من شقتها تلك. هذه الرسالة تقوم بإعلامه أن كاتبيها يعرفون عنه كل شيء، وأنه افضل له أن يدفع المبلغ الشهري المطلوب منه والا فإنه سيخسر الكثير، يتجاهل بطلنا ما تضمنته الرسالة من تهديد، لتتطور الأحداث ولياتي إليه، فيما بعد، من يخبره أن حريقا نشب في مكاتب شركته. هكذا تبلغه رسالة التهديد جلية واضحة، غير أنه يتوجه إلى مركز الشرطة، لتقديم شكوى، سرعان ما يتبين له انها لن تعود عليه بأية فاىدة. تتسلسل الأحداث فيما بعد ليتلقى رسالة أخرى تخبره أن محظيته مابيل قد اختطفت وانه افضل له أن يوافق على دفع الخاوة ممثلة بالمبلغ الشهري المطلوب منه لمرسلي الرسالة. فليثيتو يتوجه هذه المرة إلى الصحافة وينشر فيها إعلانا مفاده أنه يرفض ما يطلبه منه مهددوه. هذه الرسالة تسلط الاضواء الكاشفة عليه وتضعه في مركز الحياة اليومية العامة في البلاد.. بلاده.
تتمركز الرواية في ثلاثة محاور، فإضافة إلى محورها المركزي ممثلا في فليثيتو، زوجته، محظيته وابنه ميغيل من زوجته التي ارتبط بها مضطرا، بعد تقديمها بإيعاز من امها صاحبة النزل الذي يأوي إليه شأن الكثيرين، شكوى ضده تطالبه فيها بالزواج منها لأنها حامل منه، فليثيتو يرتبط بتلك المرأة اختصارا للمشاكل. المحور الثاني يتمثل في شركة تأمين يتولى إدارتها رجل مسن، ولديه ابنان عابثان، يطلق عليهما لقب الضبعين. صاحب الشركة يستمع خلال غيبوبته أثناء تلقيه العلاج في المستشفى.. إلى ابنيه وهما يتحدثان عن موته القريب وعن اطماعهما بثروته الطائلة. فلا يكون منه إلا أن يقرر بعد خروجه من غيبوبته الصحية ألارتباط بخادمته. المحور الثالث في الرواية يتمثل في مساعد وصديق صاحب الشركة. الذي يوافق إضافة إلى سائق سيارة صاحبها ومديرها، على ان يكون شاهدا لا بد منه على ذلك الزواج المثير بين صاحب الشركة وخادمته.
هكذا يتابع القارئ أحداث الرواية متنقلا من محور إلى آخر، من محاورها الثلاثة المثيرة، ضمن العديد من التوقعات المحتملة، في مقدمتها أن ابني صاحب الشركة اللذين يقومان بمضايقات جمة لشاهدي زواج والدهما، ويوجه القارئ عبر مساحة ليست قليلة من الرواية أصابع الاتهام إلى هذين الابنين، غير أن ما تكشف عنه أعماق الرواية واحداثها، يختلف تمام الاختلاف عن كل توقع واحتمال. ليكتشف القارئ، ما هو إلا ابن فليثيتو صاحب شركة النقليات مارهوالا. أما في التفاصيل فإنه يتبين أن هذا الابن العاق/ميغيل، الذي تكشف عنه الأحداث باعتراف والدته أنه ليس ابن صاحب الشركة. يزيد في غضب صاحب شركة النقليات فليثيتو، تبينه أن محظيته مابيل رضخت لمطالب عشيقها، ابنه ميغيل الذي يتأكد من أنه ليس من صلبه باعتراف زوجته ذاتها. هكذا تظهر الحقيقة عبر حبكة بوليسية مركبة ومتشابكة الاحداث، لنكتشف ان ابن صاحب الشركة هو من قام بحرق مكاتب شركة والده، بعد أن قام بإرسال رسائل التهديد المذكورة.
هكذا أيضا تندمج محاور الرواية الثلاثة في ضفيرة واحدة، تقول لقارئها إن خادمة صاحب شركة التأمين التي أصبحت فيما بعد زوجته ومصدر تحريك احداث الرواية، هي الاخت غير الشقيقة لزوجة صاحب شركة النقليات مارهوالا و.. نقصد به البطل المتكلم.. فليثيتو ياناكيه.
تقدم الرواية بهذا، إضافة إلى جانبها الترفيهي والتشويقي في الآن ذاته، تقدم فائدة جلى، مفادها أن مواجهة طالبي الخاوة ومحاولة فرضها على ضحاياهم عامة، وصاحب شركة مارهوالا للنقليات في هذه الرواية تحديدا، حينا وجها لوجه، وآخر بالذكاء، الجرأة والمعرفة، يعتبران من اشكال المواجهة الناجعة ومضمونة النتائج الإيجابية.. في الكثير من الحالات.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency