الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟

أحمد ناصر
نُشر: 15/04/26 10:48,  حُتلن: 20:15

"هذا المقالُ لم يُكتبْ بواسطةِ آلةٍ، لكنْ قريبًا، قد لا تستطيعُ التأكدَ من ذلكَ."
بهذه الروحِ المربكةِ التي تَخلعُ اليقينَ من النفوسِ، أدعوكم لنتأملَ معًا ملامحَ عصرِ "الأدبِ اللا إنساني". إننا لا نعيشُ مجردَ تحديثٍ عابرٍ للأدواتِ التقنيَّةِ، إنَّما نَشهدُ زلزالًا يقتلعُ ملامحَ السيادةِ البشريَّةِ على الكلمةِ اقتلاعًا. لقد انتهى الزمنُ الذي كان فيه النصُّ الأدبيُّ هو البصمةَ الوراثيَّةَ الوحيدةَ للروحِ، وها نحنُ نقفُ على أعتابِ مرحلةٍ لا يملكُ أحدٌ خريطةَ الخروجِ منها، حيثُ لم تعدِ الكلمةُ ابنةَ التجربةِ الصادقةِ، إنَّما صارتِ ابنةَ الخوارزميَّةِ التي لا تملكُ قلبًا يَنبضُ ولا ذاكرةً تتألمُ. إنَّ السُّؤالَ الذي يَطرحُ نفسَهُ اليومَ بقوَّةٍ هو: هل نَحنُ أمامَ تطورٍ للفنِّ، أم أنَّنا نَحضُرُ مَراسمَ دفنِ "الإنسانِ" داخلَ كتاباتِهِ؟
ولكي نَستوعبَ حَجمَ هذا التغيُّرِ الصادمِ بصورةٍ جليَّةٍ، علينا أن نُصوِّبَ النظرَ فيما يَحدثُ اليومَ في كواليسِ الكتابةِ؛ فلم يعدِ الأديبُ ذلكَ المتوحدَ الذي يَستلهمُ وحيَهُ من غياهبِ عُزلتِهِ ومَرارةِ انكساراتِهِ، فقد سقطتِ الحواجزُ تمامًا بينَ الكاتبِ والقارئِ، وذابتِ المَسافةُ المقدَّسةُ التي كانت تحمي خصوصيَّةَ الفِعلِ الإبداعيِّ. أصبحنا نرى تجاربَ أدبيَّةً واقعيَّةً، كما في تجربةِ الكاتبِ عبد الواحد استيتو، حيثُ يَطرحُ المؤلفُ فصلًا من عملِهِ ثم يَتركُ دفَّةَ القيادةِ للجمهورِ عبرَ الفضاءِ الرقميِّ، فيكملُ الأحداثَ بناءً على تعليقاتِهم ومقترحاتِهم وتصويتِهم على مَصيرِ الأبطالِ مَصِيرًا مَحسُومًا برغبةِ الغالبيَّةِ. هنا، يتخلى المؤلفُ عن مَقامِ الخالقِ للرؤيةِ ليُصبحَ مُنسقًا لرغباتِ الأغلبيةِ، ويتحولُ العملُ الأدبيُّ إلى نتاجٍ جماعيٍّ مبرمجٍ وفقًا لمزاجِ المَنصَّاتِ الاجتماعيَّةِ، بَعيدًا عن صَرخةِ الفنِّ وحرارةِ المَعاناةِ الذاتيَّةِ التي كانت تَمنحُ النصوصَ خلودَها.
هذه هي "المرحلةُ اللا إنسانيَّةُ" بوضوحٍ تامٍّ؛ حيثُ تَتلاشى الذاتُ المبدعةُ لتتركَ مَكانًا لآلةٍ تَعالجُ مَلايينَ البياناتِ في ثوانٍ، ولجمهورٍ يوجهُ الأحداثَ بضغطةِ زرٍّ بَاردةٍ. إنَّ الأديبَ البشريَّ في هذا السياقِ بدأ يَتنازلُ طواعيةً عن أقدسِ ما يَملكُ، وهو تفرُّدُهُ الذي لا يُشبهُهُ أحدٌ. فإذا كان الذكاءُ الاصطناعيُّ قادرًا على تحليلِ مَلايينِ النصوصِ ليعيدَ بناءَ النموذجِ الأمثلِ للحزنِ أو الفرحِ الذي يُرضي الذائقةَ العامَّةَ، وإذا كان الكاتبُ قد بدأ يُسلمُ مَقاليدَ خيالِهِ لتعليقاتِ المتابعينَ، فما قيمةُ الصدقِ الفنيِّ إذنْ؟ إنَّنا أمامَ أدبٍ بلا قلبٍ، إبداعٍ يَنبعُ من خوارزميَّاتٍ صمَّاءَ أو أمزجةٍ جماعيَّةٍ متغيِّرةٍ، ومع ذلكَ فهو قادرٌ على هزِّ وجدانِكم وتَضليلِ مَشاعرِكم، وهنا نَسقطُ في الفخِّ الوجوديِّ الكبيرِ: إذا لم يعدِ النصُّ يَحتاجُ إلى إنسانٍ مُتفرِّدٍ ليُبكيَكَ، فهل انتهتْ حقًّا صلاحيَّةُ الروحِ البشريَّةِ في عالَمِ الإبداعِ؟
إنَّنا نَنتقلُ بتسارعٍ مَخيفٍ نحو "جمالياتِ البرودةِ"، حيثُ النصُّ كاملُ البناءِ، رصينُ السَّبْكِ، بلا عَثراتٍ لغويَّةٍ، لكنَّهُ نابعٌ من فراغٍ وجوديٍّ مُوحِشٍ. إنَّنا نَقتلُ المَعاناةَ التي كانت وقودَ الإبداعِ لنَستبدلَ بها الرفاهيَّةَ التقنيَّةَ ورغباتِ الجماهيرِ الآنيَّةَ، وهذا التغييرُ الصادمُ يضعُ الروحَ في مَوضعِ الفائضِ عن الحاجةِ، وكأنَّ العاطفةَ صارتْ عِبئًا يمكنُ الاستغناءُ عنهُ بمُعادلةٍ رياضيَّةٍ دقيقةٍ. هل ستُصبحُ الروحُ البشريَّةُ في أدبِ المستقبلِ مُجردَ "شوائبَ" أو أخطاءٍ غيرِ مَنطقيَّةٍ تَسعى الخوارزميَّاتُ لتنقيتها وصولًا إلى كمالٍ آليٍّ صلبٍ؟ الحقيقةُ المُرَّةُ أنَّنا نُودِّعُ الآنَ "المرحلةَ الإنسانيَّةَ" بكلِّ ما فيها من مَواجعَ وجنونٍ، لندخلَ في عهدِ الكلماتِ التي بلا جذورٍ، والمعاني التي بلا أصحابٍ. إنَّها مَرحلةُ الغموضِ الكبيرِ التي ستُحوِّلُنا إلى مُجرَّدِ مُستهلكينَ لنصوصٍ مَصنوعةٍ لا مَخلوقةٍ، فقدِ انتهتْ صلاحيَّةُ الاحتكارِ البشريِّ للإلهامِ، ونحنُ الآنَ في عُهدةِ المَجهولِ.. اللهُ وحدَهُ أعلمُ إلى أينَ ستقودُنا هذهِ الكلماتُ التي تَفتقدُ للروحِ، وفي أيِّ قاعٍ سَنستقرُّ بعدَ أن سَلَّمنا مَفَاتيحَ خيالِنا للآلةِ ولأهواءِ الأغلبيةِ تَسليمًا تَامًّا.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة