ذهبت الأمس لزيارة أحد الأصدقاء في مستشفى الكرمل بمدينة حيفا، لكني فوجئت حين أبلغني رجال الأمن المنتشرون هناك بأنه تم نقل المرضى إلى مستشفى رمبام. استغربت من الأمر، فتوجهت إلى المستشفى المذكور. ومع وصولي، كانت الفوضى الطاغية هي سيدة الموقف، ازدحامات مرورية خانقة، والارتباك يسود الأجواء. بينما تمكنت أخيرًا من الوصول إلى المدخل، اكتشفت أن المرضى من كافة مستشفيات حيفا والمناطق المجاورة قد تم نقلهم إلى هذا المكان. سمعت أن جميع المرضى تم إيواؤهم في الطوابق الأرضية وداخل المرائب كإجراء احترازي، خوفًا من استهداف المستشفيات بقصف من حزب الله أو إيران.
لم يكن المشهد داخل المستشفى عادياً بل كان أشبه بكابوس حي؛ اكتظاظ بشري لا يُطاق أبداً، وصورة ترسم وجهاً مأساوياً للحال. بدأ البحث عن صديقي وسط هذا الحشد المتداخل من المرضى، حيث امتزج مرضى مستشفى الكرمل بمرضى المستشفيات الأخرى، رمبام وأبناء صهيون والعفولة وغيرها. كل شيء كان مشوشًا ومُرهقًا. أحد المرضى يسقط من سريره وتتعالى صرخات الممرضات "ساعدونا!"، فيهرع من يستطيع للمساعدة وسط نداءات الاستغاثة المتواصلة. الفوضى تعم المكان ولا شيء يبدو واضحًا أو مفهومًا. الصراخ يتفاقم: هنا مريض يناشد الممرضة، وهناك أخرى تتألم على سريرها، والجو مشبع بالعويل والأنين الذي اختلط بكل شيء.
وسط هذا المشهد العبثي، تجد الفريق الطبي يعمل بكل طاقته وكأنهم يواجهون موجة غرق مستمرة، وكل دقيقة تمر تزيد من إحساس الجميع بالاختناق والتساؤل:
ماذا بعد؟ أما من نهاية لهذا الوضع المأساوي؟
لكن الجواب يبدو أعمق وأبعد مما يبدو للوهلة الأولى.
الوضع ليس سوى جزء صغير من المأساة الكبرى التي تعاني منها المنطقة والعالم نتيجة العدوان العسكري بقيادة إسرائيل والولايات المتحدة. أفعال نتنياهو وسياسته المستبدة تُظهر بوضوح أن الحفاظ على كرسيه السياسي أهم بالنسبة له من أرواح شعبه.
أما ترامب، بشغفه الا محدود للسلطة والثروات، فقد أوقع نفسه والآخرين في دوامة صراع فتاك ظنوه نزهة سهلة. لكن الأرض أثبتت خلاف ذلك، فالقوة المقاومة كانت أعظم مما تصوروا، غرورهم قادهم إلى انعدام الرؤية وحالة هلع عسكري تدفعهم لاختيار الفتك بالسكان المدنيين دون هوادة.
الفظائع تتجلى يومًا بعد يوم، حصار وحرب.. تدمر كل شيء، حتى أبسط القيم الإنسانية والقوانين الدولية تسحق تحت أحذية أعتى الجيوش. المستشفيات تتحول إلى أهداف مباشرة للصواريخ، المدارس تُقصف لزعزعة نفوس الجيل القادم، والضحايا الأبرياء يُدانون بكونهم السبب فيما يجري وكأنهم يختارون موتهم! فالعقل يستعصي عليه فهم هذا الكم من الجرائم البشعة.
أما عن قرار تجميع المرضى في مرائب ومستودعات تحت الأرض بتلك الطريقة المهينة، فهو يعبر عن هوس أعدائهم بإجراءات احترازية قصوى خوفًا من الرد بالمثل. إذ إنهم يتعاملون مع عدوانهم وكأنه لعبة مراوغة، مبنية على اعتقاد بأن الطرف الآخر سيتخذ النهج ذاته في استهداف المدنيين ومرافق الحياة الأساسية.
ما يحدث هو مأساة إنسانية ووصمة عار لا تُمحى، لكن رغم كل ذلك، يبقى الأمل مستحيلاً لمن يراهن على الاستسلام الكامل؛ ولن يأتي العتمة نهباً على يد الظالمين مهما بالغوا في تسلطهم، فالعالم يشهد لكنه صامت، ومع ذلك تستمر المقاومة رغم الألم والأسى دون أن تنكسر.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency