وقف إطلاق النار الذي أُعلن فجر اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يبدو خطوة نحو تهدئة بقدر ما هو محاولة للهروب من مأزق صنعته واشنطن وتل أبيب بقرارات متسرعة دفعت المنطقة والعالم إلى حافة الانفجار. فمنذ اللحظة الأولى، لم تكن هذه الحرب ضرورة أمنية، بل خيارًا سياسيًا اتُّخذ بلا رؤية، وكأن الشرق الأوسط ساحة تجارب وليست موطنًا لملايين البشر.
الولايات المتحدة وإسرائيل اندفعتا إلى مواجهة واسعة تحت شعار “إعادة الردع”، لكن النتيجة كانت تصعيدًا غير مسبوق، تهديدًا للملاحة العالمية، ارتفاعًا في أسعار الطاقة، وتوترات إقليمية كادت تخرج عن السيطرة. كل ذلك كان يمكن تجنّبه لو لم تُتخذ قرارات الحرب بهذه الخفة، وكأن كلفة الدم والاقتصاد والاستقرار مجرد تفاصيل جانبية.
ترامب، الذي اشترط فتح مضيق هرمز قبل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، يبدو اليوم وكأنه يبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهه بعد أن أدرك حجم الورطة التي دخلها. فالهجوم الإيراني الواسع، وما تبعه من ضربات متبادلة، كشف أن الحرب ليست نزهة، وأن كلفة استمرارها أكبر بكثير مما توقّعه صانعو القرار في واشنطن. ومع ذلك، يحاول الرئيس الأميركي تصوير الهدنة كإنجاز شخصي، لأنها تمنحه وقتًا ثمينًا قبل انتخابات منتصف الولاية، وتخفف الضغط الداخلي عليه، وتعيد أسعار النفط إلى مستويات مريحة للاقتصاد الأميركي.
أما إسرائيل، فهي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. فبعد أن اندفعت إلى مواجهة مفتوحة في لبنان، تجد نفسها الآن مضطرة إلى وقف العمليات في منتصف الطريق، رغم أن حزب الله ما زال يحتفظ بقدراته الأساسية، ما كشف كذبها على مواطنيها انها انهت التهديد اللبناني. الجيش الإسرائيلي يعاني من إنهاك واضح، والاحتياط مستنزف، والحدود الشمالية لم، وعلى ما يبدو لن، تُحسم فيها أي معركة. ومع ذلك، تُجبر إسرائيل على التوقف لأن الحليف الأميركي قرر أن الوقت قد حان لتهدئة تخدم مصالحه، لا مصالح من يقف في خط النار.
إيران، من جهتها، لم تُظهر أنها تراجعت عن مواقفها. صحيح أنها وافقت على وقف إطلاق النار، لكن ذلك جاء بعد ضربات موجعة طالت بنيتها التحتية، وبعد تهديدات أميركية مباشرة باستهداف منشآت حيوية. ومع ذلك، ما زالت تحتفظ بمخزون يورانيوم مخصب بنسبة عالية، وما زالت قادرة على التأثير في ساحات متعددة عبر حلفائها. أي أن الحرب لم تحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن وتل أبيب عند بدايتها، بل تركت كثيرًا من الملفات مفتوحة.
النتيجة الواضحة اليوم هي أن الحرب لم تكن ضرورية، ولم تكن محسوبة، ولم تحقق ما وُعد به. كل ما فعلته أنها كشفت هشاشة الاستراتيجيات، وعمّقت الفوضى، ودفعت المنطقة والعالم إلى حافة أزمة اقتصادية وأمنية. وقف إطلاق النار ليس انتصارًا لأحد، بل اعتراف ضمني بأن قرار الحرب كان خطأ منذ البداية، وأن من أشعلها لم يكن مستعدًا لتحمّل تبعاتها.
الأسابيع المقبلة ستكشف إن كانت هذه الهدنة مجرد توقف قصير قبل جولة جديدة من العبث، أم بداية إدراك متأخر بأن القوة وحدها لا تصنع أمنًا، وأن الحروب التي تُخاض بلا رؤية تنتهي دائمًا بخسائر أكبر من أي مكاسب متخيّلة.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency