حين يهدّد قائد بتدمير حضارة… يعود التاريخ بكل ظلاله السوداء

محمد دراوشه 
نُشر: 07/04/26 21:21

في اللحظات التي تتصاعد فيها التوترات الدولية، تصبح الكلمات أخطر من الصواريخ، وأكثر قدرة على إشعال حرائق لا يمكن إخمادها. وفي الساعات الأخيرة، أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران قلقًا واسعًا، بعدما هدد بشكل مباشر بـ“تدمير حضارة”. مثل هذا الخطاب لا يمكن النظر إليه كجملة عابرة، بل كصدى لنبرة عرفها التاريخ مرارًا، نبرة قادة اعتقدوا أن بإمكانهم إعادة تشكيل العالم بالقوة، وأن الحضارات يمكن أن تُمحى بقرار واحد.

التاريخ، حين يسمع كلمات كهذه، يبدأ بالارتجاف. فذاكرته مثقلة بأسماء قادة دخلوا صفحاته السوداء لأنهم رأوا في الحضارات الأخرى هدفًا مشروعًا للهيمنة أو الإزالة. جنكيز خان، على سبيل المثال، لم يكن مجرد فاتح، بل إعصارًا اجتاح مدنًا وبلدانًا ومسح حضارات كاملة من الوجود. مدن ازدهرت لقرون اختفت في أيام، وثقافات اندثرت تحت سنابك الخيل. وتيمورلنك، الذي كان يترك المدن خاوية بعد مروره، وكأنها لم تكن يومًا مركزًا لعلم أو فن أو حياة. أما أتيلا الهوني، فقد هزّ أوروبا القديمة وهدد وجودها الحضاري حتى صار اسمه مرادفًا للرعب الوجودي، رمزًا لقائد لا يرى في الحضارات سوى غنيمة.

ولا يمكن تجاهل الإسكندر الأكبر، الذي رغم إنجازاته العسكرية والثقافية، أسقط حضارات قائمة وأعاد تشكيل الشرق والغرب وفق رؤيته الخاصة، تاركًا وراءه عالمًا جديدًا بُني على أنقاض عالم قديم. كما أن نابليون بونابرت، الذي أعاد رسم أوروبا بالقوة، أسقط أنظمة كاملة وغيّر مسار القارة لعقود طويلة، مؤكدًا أن الطموح الإمبراطوري حين يتحول إلى مشروع توسّع عسكري يمكن أن يبتلع حضارات بأكملها.

وفي الجانب الآخر من العالم، يقف الفاتحون الإسبان مثل هيرنان كورتيس وفرانسيسكو بيثارو، الذين أدت حملاتهم إلى انهيار حضارات الأزتيك والإنكا، ومسح ثقافات عمرها آلاف السنين. لم تكن تلك مجرد حروب، بل كانت عمليات اقتلاع حضاري كامل، اختفت فيها لغات وطقوس وعلوم، وانهارت فيها إمبراطوريات كانت من أعظم ما عرفته البشرية. ويمكن إضافة شارلمان، الذي فرض توسّعه بالقوة وأعاد تشكيل الخريطة الدينية والسياسية لأوروبا، تاركًا وراءه إرثًا معقدًا من البناء والهدم في آن واحد.

هذه الشخصيات لم تُستدعَ من الذاكرة عبثًا. فكلها تمثل نماذج لقادة اعتقدوا أن القوة وحدها تكفي لصناعة التاريخ، وأن الحضارات يمكن أن تُسحق تحت ثقل الجيوش أو تحت نزوات السلطة. وكلهم دخلوا التاريخ، لكن في صفحاته الأكثر قتامة، تلك التي يقرأها العالم اليوم كتحذير لا كإلهام.

استحضار هذه النماذج ليس مقارنة، بل هو محاولة لفهم خطورة اللغة التي تتحدث عن “تدمير حضارة”. فإيران ليست مجرد دولة في صراع سياسي، بل حضارة تمتد لآلاف السنين، من فارس القديمة إلى الشعر والفلسفة والعلوم والعمارة. وعندما يسمع الناس تهديدًا كهذا، فإنهم لا يسمعون خطابًا سياسيًا فقط، بل يسمعون صدى تهديد وجودي لحضارة ساهمت في تشكيل التراث الإنساني. الحضارات ليست جيوشًا فقط، بل ذاكرة وهوية ولغة وفن، وتدميرها ليس مجرد خسارة سياسية، بل جريمة بحق الإنسانية كلها.

التاريخ علّمنا أن الكلمات ليست بريئة، وأن التهديدات ليست مجرد تصريحات. كثير من الكوارث بدأت بجملة، وكثير من المدن سقطت بعد خطاب. لذلك، فإن التحذير من هذا النوع من اللغة ليس مبالغة، بل مسؤولية. فالعالم الذي عرف جنكيز خان وتيمورلنك وأتيلا والإسكندر وكورتيس وبيثارو ونابليون وشارلمان يعرف جيدًا أن الحضارات يمكن أن تنهار إذا تحوّل الخطاب إلى فعل، وأن القادة الذين يلوّحون بالدمار قد يفتحون أبوابًا لا تُغلق بسهولة.

إن ما يحتاجه العالم اليوم ليس قادة يلوّحون بإزالة حضارات، بل قادة يدركون أن الحضارات لا تُبنى بالقوة ولا تُحمى بالتهديد، بل تُصان بالحكمة، وتُحترم بالتوازن، وتُدار بالخوف من تكرار أخطاء الماضي. فالتاريخ لا يرحم من يكرر مآسيه، ولا يغفر لمن يظن أن القوة وحدها تصنع المجد. وفي لحظة كهذه، يصبح واجبًا التذكير بأن الحضارات ليست أهدافًا عسكرية، وأن العالم الذي نعيش فيه هش بما يكفي ليحتاج إلى خطاب يطفئ النار لا يشعلها. فالتاريخ، بكل ما فيه من ظلام، لا يجب أن يكون دليلًا للمستقبل، بل تحذيرًا منه.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة