الأقصى بين الهدم المؤجل والتفكيك الصامت: كيف انتقلت إسرائيل من منع التفجير إلى تفكيك "الوضع الراهن"؟
بقلم : د. كامل ريان
مختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى
في واحدة من أكثر الشهادات دلالة وجرأة داخل الخطاب الإسرائيلي، أقرّ أبراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست، بأن محاولات متكررة جرت من قبل جماعات يهودية متطرفة لاستهداف المسجد الأقصى منذ عام 1967، وهي شهادة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد استعادة لوقائع أمنية معزولة، بل باعتبارها مفتاحًا تحليليًا لفهم التحول العميق في طبيعة الصراع على المسجد الأقصى، من صراع كان يتمظهر في محاولات تفجير وهدم مباشر، إلى صراع أكثر تعقيدًا وخطورة يقوم على تفكيك البنية القانونية والتاريخية والدينيه التي تحمي المسجد دون المساس ببنيانه المادي. فالمفارقة التي تفرض نفسها هنا ليست في وجود نوايا للهدم، بل في كيفية إدارة الدولة لهذه النوايا، إذ يبدو أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف توجهاتها، أدركت منذ وقت مبكر أن الهدم المباشر للمسجد الأقصى سيترتب عليه انفجار ديني وسياسي يتجاوز حدود السيطرة، الأمر الذي دفعها إلى كبح جماح تلك المحاولات ومنعها، ليس انطلاقًا من التزام بحماية المكان، وإنما من حسابات استراتيجية تتعلق بتفادي كلفة المواجهة الشاملة مع العالمين العربي والإسلامي.
غير أن هذا المنع لم يكن نهاية المشروع، بل بدا وكأنه لحظة انتقال إلى استراتيجية بديلة أكثر عمقًا، قوامها إعادة تعريف المسجد الأقصى تدريجيًا من خلال تفكيك ما يُعرف بـ”الوضع الراهن”، ذلك النظام التاريخي القانوني الدولي الذي تشكل عبر قرون ممتدة منذ العهد العثماني مرورًا بفترة الانتداب البريطاني ثم الإدارة الأردنية، والذي استقر على قاعدة واضحة مفادها أن المسجد الأقصى مكان عبادة إسلامي خالص، تديره الأوقاف الإسلامية، مع تنظيم دخول غير المسلمين دون السماح لهم بممارسة طقوس دينية داخله. هذا النظام لم يكن مجرد ترتيب إداري، بل كان تعبيرًا عن توازن دقيق بين الدين والسياسة والسيادة، كما أنه اكتسب مع مرور الزمن نوعًا من الاعتراف الضمني في إطار القانون الدولي، ما جعله يشكل خط الدفاع الحقيقي عن هوية المسجد ووظيفته.
من هنا، يمكن القول إن التحول الذي تشهده القدس اليوم لا يتمثل في استهداف الحجر بقدر ما يتمثل في استهداف المعنى، حيث أخذت السياسات الإسرائيلية، خصوصًا منذ مطلع الألفية الثالثة، تتجه نحو تقويض هذا التوازن عبر سلسلة من الإجراءات التراكمية التي بدأت بتقليص دور الأوقاف الإسلامية، ومرّت بفرض سيطرة أمنية مشددة على مداخل المسجد، وانتهت بالسماح المتزايد لاقتحامات جماعية من قبل جماعات يهودية دينية، ترافقها في كثير من الأحيان ممارسات ذات طابع تعبدي، في خرق واضح لجوهر “الوضع الراهن”. ومع صعود شخصيات سياسية مثل إيتمار بن غفير، لم تعد هذه السياسات مجرد انحرافات ميدانية، بل تحولت إلى توجهات معلنة تسعى إلى إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية للمكان، وهو ما يعكس انتقالًا من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه تدريجيًا من خلال أدوات قانونية وأمنية.
إن قراءة تصريح أبراهام بورغ في ضوء هذا الواقع تكشف أن ما كان يُطرح في السابق كمشروع راديكالي هامشي، يتم اليوم تحقيقه بأدوات الدولة ذاتها، ولكن بطريقة مختلفة، إذ لم يعد الهدف تفجير المسجد الأقصى أو هدمه بشكل فجائي، بل إعادة صياغة موقعه ضمن منظومة سيادية جديدة، بحيث يفقد تدريجيًا خصوصيته الإسلامية الخالصة، ويتحول إلى فضاء ديني قابل لإعادة التقاسم أو إعادة التعريف. وفي هذا السياق، يصبح التفكيك البطيء للوضع الراهن أكثر خطورة من أي محاولة تفجير، لأنه يتم تحت غطاء قانوني وإداري، ويجري تقديمه كأمر واقع يصعب التراجع عنه مع مرور الزمن.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن البعد الديني العابر للحدود، حيث يتقاطع المشروع الصهيوني الديني مع تصورات لاهوتية لدى بعض التيارات المسيحية الإنجيلية، التي ترى في إعادة تشكيل الواقع في القدس، وخاصة في محيط المسجد الأقصى، خطوة ضرورية في سياق تحقيق نبوءات دينية تتعلق بعودة المسيح. هذا الالتقاء بين الرؤيتين، اليهودية الدينية والإنجيلية، لا يتجلى فقط في الدعم السياسي الذي تقدمه هذه التيارات لإسرائيل، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل بيئة فكرية تضفي شرعية دينية على السعي لتغيير هوية المكان، وهو ما يعزز من خطورة المشروع، لأنه لم يعد محصورًا في سياق محلي أو إقليمي، بل أصبح جزءًا من تصور عقائدي عالمي يجد له امتدادات في مراكز القرار الدولية.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه المسجد الأقصى اليوم لا يكمن في احتمال تعرضه لهدم مفاجئ، بقدر ما يكمن في عملية إعادة تشكيل هادئة ومستمرة، تستهدف تفريغه من مضمونه الديني والتاريخي، وإعادة إدماجه ضمن واقع جديد يفقده مكانته المركزية في الوعي الإسلامي. إن هذه العملية، التي يمكن وصفها بـ”التفكيك الصامت”، تعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في إدارة الصراع، حيث لم يعد المطلوب إزالة المسجد من الوجود، بل إعادة تعريفه بطريقة تُفرغ وجوده من معناه. وهنا تتجلى المفارقة التي يلخصها تصريح بورغ بوضوح لافت: لقد نجحت إسرائيل في منع محاولات الهدم المباشر، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب واسعًا أمام هدم المنظومة التي كانت تحمي المسجد الأقصى، وهي منظومة “الوضع الراهن” التي شكلت، على مدى قرون، السياج القانوني والتاريخي والديني الذي حافظ على هوية المكان، والذي يتعرض اليوم لعملية تفكيك ممنهجة تهدد بتحويل الصراع من صراع على الوجود إلى صراع على المعنى، وهو في كثير من الأحيان أكثر خطورة وأبعد أثراً.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency