تحديات مهنة التدريس بين السلم والحرب

طوني باسيلا
نُشر: 24/03/26 11:49,  حُتلن: 20:31

كاتب المقال: المدرّس والباحث في جامعة حيفا د. طوني باسيلا

يبدو أحيانًا أن مهنة التدريس التي تحمل رسالةً نبيلةً لا ينقصها شيء. غير أنّ التجربة التي يخوضها المدرّسون تكشف عن تحديات متراكمة، سواء في زمن السلم أم في أوقات الأزمات. وكأنّ مهنة التدريس هي الأمثل، وكأنها لم ينقصها شيء. تبلورت هذه الأفكار في ذهني حين راح المحللون والناقدون يطرحون المعضلات والهموم التي تعاني منها منظومة التدريس خلال الحرب، ولا سيما منظومة التعليم عن بعد.

مهلًا يا عزيزي. حتى نباشر في فهم المحن التي يعاني منها المُدَرّس خلال الحرب يتوجب علينا استيعاب ما يعصف به في زمن السلم، أي عند مزاولة المهنة في الأوقات العادية والطبيعية. تعاني منظومة التدريس في السنوات الأخيرة من ظواهر عديدة لم تكن بارزة ومتفاقمة من ذي قبل. من تلك الظواهر يمكن ذكر الارتفاع في عدد الطلاب المتغيبين عن مقاعد الدراسة، الهبوط في مستوى المطالعة والتثقيف الذاتي، فضلًا عن الإرهاق النفسي والجسدي الذي يعاني منه الطالب في المدرسة وما بعدها، والتعرض لشتى أنواع العنف. وقد أطلق الأخصائيون على إحدى هذه الظواهر مصطلح "التنمّر"، وهو مصطلح لم يكن متداولًا في صغرنا.

هذا غير الاعتماد الكلي أو الجزئي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وهذا ما يمنع الطالب من الاجتهاد الشخصي ومن وتحويل المعلومات المتراكمة الى جزء من معرفته الشخصية، كل ذلك في زمنٍ تكثر فيه المعلومات وتتآكل فيه المعرفة الفردية.

إنّ الظواهر المذكورة أعلاه تؤثر بشكل مباشر في البيئة التعليمية، وتُسهم في تفاقم المشكلات السلوكية لدى فئات مختلفة في العديد من المدارس. وتزداد الأمور تعقيدًا حين يسعى المدرّسون، من ذوي الضمائر الحيّة، إلى إيجاد حلول لهذه الإشكاليات. ففي كثير من الأحيان يلجأ هؤلاء إلى أولياء الأمور، وهناك تتباين ردود الفعل؛ فمنهم من يتعاون سعيًا لإصلاح سلوك أبنائه وتوجيههم نحو ما هو نافع، ومنهم من يرغب في التعاون، لكنه يفتقر إلى الأدوات اللازمة ويفقد السيطرة، في حين توجد شريحة أخرى لا تثق بمنظومة المدرسة أصلًا، بل وتتقاسم مع أبنائها موقفًا يفتقر إلى الاعتراف بشرعية المدرسة والمُدرّس على حدّ سواء، الأمر الذي يفتح الباب أمام حالة من الانفلات.

انعكست تلك الظواهر الواردة أعلاه بشكل ملموس على جيل الشباب المنخرط في سلك التربية والتعليم. في أحد المقالات التي صدرت في مجلة نقابة المعلمين لهذا العام ورد أن ثلث الطلاب الجامعيين الحاصلين على شهادة التأهيل في دولة إسرائيل لا ينضمون الى سلك التربية والتعليم، ويفتشون عن مزاولة مهنة أخرى بعيدا عمّا أُعِدّوا اليه أكاديميًا. كذلك أكثر من خُمس المُدرّسين يتراجعون عن مزاولة مهنتهم في السنوات الخمس الأولى باحثين عمّا هو أكثر استقرارًا وجدوى.

واليك عزيزي القارئ معطى آخر متعلق بمكانة المعلم مقارنةً مع نظرائه في عدة دول في العالم المتحضر. وفقا للاستطلاع الدولي الذي جرى عام 2018 والذي شاركت به 34 دولة، تعد مكانة المعلم في البلاد من بين الأدنى في العالم، حيث تمّ تدريج مكانة المعلم في هذه الديار في المرتبة قبل الأخيرة. لربما المعضلات المتفاقمة في المدارس يومًا بعد يوم هي التي تدفع المُدرسين الجدد الى ترك مهنة التدريس. ولكن هناك عوامل أخرى أبرزها المتعلقة بالراتب الشهري الذي يتقاضاه المدرِّس الجديد. وفقًا للمعطى الذي جاء به د. بار حاييم من جامعة حيفا مؤخرًا فإن الراتب الشهري لدى المدرِّس الجديد لم يدخل بعد الى دائرة التنافس مع رواتب المهن الأخرى لأبناء جيله، هذا ما يفسر عدم الاستمرار في المسار المهني.

بالإضافة الى البيئة التعليمية التي تكتنفها علامات الاستفهام، وبالإضافة الى التحديات المادية التي تدفع المدرِّس الجديد للبحث عن بدائل، هناك معضلة أخرى متعلقة بالأهداف والمبادرات المكللة بالعناوين العريضة لا بل والضخمة إن صح التعبير. تلك المبادرات تم املاؤها وباتت منشودة لكنها لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع. مثال على ذلك المبادرة التي راحت ترنو قبل عدة سنوات الى رفع مستوى موضوع الرياضيات في البلاد والتي حثّت الطالب الى التقدم لامتحان خمس وحدات بجروت. كذلك مسار "التراث، المجتمع والعلوم الإنسانية". وأخيرًا خطة البجروت المعَدَّلة التي أضحت موضوع الساعة في منظومة التعلم، ولكن هذا المسار لم يتم تطبيقه بشكل فعلي وملموس في عامة المدارس. وقد ساهم عدم تطبيق تلك المبادرات في خلق حالة من البلبلة وعدم الاستقرار في صفوف المعلمين والمتعلمين.

إنّ القضايا المطروحة أعلاه ما هي إلّا جزء من التحديات التي تواجهها المنظومة في العصر الرّاهن. من هنا يمكن الاستنتاج الى أن حقل التربية والتعليم يعيش في الآونة الأخيرة ديناميكية مغايرة وأحيانًا أكثر تعقيدًا ممّا كان عليه في السابق، هذا بالإضافة الى أن مشكلات التعلم عن بعد التي يعاني منها الطالب ولا سيما المُدرّس في فترة الحرب لم تأتِ من الفراغ، إنما هي امتداد طبيعي لتراكمات قائمة في زمن السلم وليست وليدة اللحظة.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة