الأم… المدرسة الأولى
وصلة الرحم: حين يجتمع دفء العائلة في أيام العيد
حين يأتي يوم الأم في أيام العيد، ندرك أن أجمل ما في حياتنا لمة العائلة وصلة الرحم حول الأم التي كانت وما زالت القلب الذي يجمع أبناءها بالمحبة.
قال الشاعر حافظ إبراهيم:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
وقال الله تعالى:
“ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون.”
صدق الله العظيم
(سورة لقمان: 14–15)
يوم الأم… كل يوم
يأتي يوم الأم هذا العام في أيام عيد الفطر المبارك، وكأن في هذا التلاقي معنى إنسانياً عميقاً يجمع بين قيمتين كبيرتين في حياتنا: برّ الأم وصلة الرحم.
لكن الحقيقة التي يكتشفها الإنسان مع مرور الزمن أن الأم لا يمكن اختصارها في يوم واحد من أيام السنة. فالأم ليست مناسبة عابرة، بل هي مدرسة القيم الأولى، وجذر المحبة في الأسرة، والبوصلة التي توجه الإنسان في حياته.
في هذا اليوم نتمنى للأمهات الأحياء الصحة والعافية وطول العمر، وأن يبقى وجودهن مصدر دفء وبركة في حياة أبنائهن وأحفادهن. وندعو للأمهات اللواتي انتقلن إلى رحمة الله أن يتغمدهن الله برحمته الواسعة، وأن يجعل ما قدمنه من حب وتضحيات في ميزان حسناتهن.
قصة تحمل درساً في الحياة
يروي الناس قصة معبّرة عن رجل أعمال كان يعيش في شمال البلاد، بينما كانت أمه تقيم في الجنوب. كان الرجل منشغلاً دائماً بأعماله، حتى أصبح الوقت يمر دون أن يجد فرصة لزيارة أمه كما ينبغي.
وفي أحد أيام الأم قرر أن يعبّر عن حبه بطريقة سريعة، فذهب إلى محل لبيع الزهور وطلب باقة ورد فاخرة، وطلب من صاحب المحل أن يرسلها إلى أمه مع سائق سيارة أجرة.
وبينما كان يقف في المحل، لاحظ طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، وكان الحزن واضحاً على وجهها. قالت له بخجل:
“هل يمكن أن توصلني إلى مكان قريب؟”
وافق الرجل وأخذها في سيارته، لكنه تفاجأ عندما طلبت منه أن يتوقف عند المقبرة. نزلت الطفلة وتوجهت إلى قبر أمها، ووضعت وردة صغيرة على الضريح.
في تلك اللحظة شعر رجل الأعمال أن شيئاً عميقاً يهز قلبه. أدرك أن هذه الطفلة جاءت لتزور أمها التي لم يعد بإمكانها أن تعانقها أو تسمع صوتها.
عاد سريعاً إلى محل الزهور وقال لصاحبه:
“أعطني باقة الورد… سأوصلها بنفسي.”
ثم انطلق بسيارته فوراً نحو الجنوب ليزور أمه، لأنه أدرك أن وجود الأم نعمة عظيمة لا يعرف الإنسان قيمتها إلا عندما يخشى أن يفقدها.
توازن الحياة
لقد كانت تلك اللحظة درساً عميقاً له ومحطة لفهم الحياة من جديد. فقد أدرك أن النجاح في العمل والإنجاز المهني لا يكفي وحده، وأن الإنسان يحتاج إلى توازن في حياته بين العمل والعائلة والعلاقات الإنسانية.
فنحن في حياتنا اليومية نهتم كثيراً بالأمور المادية. فعندما نغيّر إطارات السيارة مثلاً، يطلب منا صاحب المحل أن نجري لها توجيهاً، فنذهب بسرعة إلى مكان آخر كي لا تتآكل العجلات.
لكننا في المقابل نحرص على توازن عجلات السيارة، وننسى أحياناً أن حياتنا نفسها تحتاج إلى توازن.
لذلك من المهم أن نتوقف أحياناً، وننظر إلى “ملعب الحياة” ونسأل أنفسنا:
هل نحقق التوازن بين العمل والمهنة والعائلة والعلاقات الإنسانية؟
الأم في الإسلام والمسيحية
لقد أولت الأديان السماوية مكانة عظيمة للأم.
ففي الإسلام جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
“يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟”
قال: “أمك.”
قال: ثم من؟ قال: “أمك.”
قال: ثم من؟ قال: “أمك.”
قال: ثم من؟ قال: “أبوك.”
أما في المسيحية أيضاً، فقد جاءت الوصية الواضحة في الكتاب المقدس:
“أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض.”
وهكذا تلتقي الرسالات السماوية جميعها على تقدير الأم والاعتراف بدورها العظيم في بناء الإنسان والمجتمع.
الأم… ولمّة العيد وصلة الرحم
ويأتي يوم الأم هذا العام في أيام عيد الفطر المبارك، وهو ما يمنح هذه المناسبة بعداً إنسانياً واجتماعياً جميلاً.
فالعيد في جوهره لمّة العائلة وزيارة الأقارب وإحياء صلة الرحم وتقوية روابط المحبة بين الناس.
وفي قلب هذه اللمّة تقف الأم دائماً. فهي التي تجمع أبناءها حول مائدة العيد، وهي التي تفتح بيتها لأبنائها وأحفادها، وتنتظر تلك اللحظات التي ترى فيها العائلة مجتمعة تحت سقف واحد.
كم من الأمهات ينتظرن العيد لا من أجل الهدايا، بل من أجل رؤية أبنائهن مجتمعين وسماع ضحكات الأحفاد في البيت الذي تعبْن في بنائه وتربيته.
ولعل أجمل هدية يمكن أن نقدمها للأم في يومها، وفي أيام العيد أيضاً، ليست الورود أو الكلمات فقط، بل زيارتها والجلوس معها وقضاء الوقت بقربها.
فوجود الأبناء حول الأم هو الهدية الأغلى التي لا تعادلها هدية أخرى.
أمي… مدرسة حياتي
وفي الحديث عن الأم، لا يسعني إلا أن أستذكر والدتي المرحومة الحاجة عفيفة محمد منصور أبو ريا، التي وُلدت عام 1908 وانتقلت إلى رحمة الله في أيلول عام 1998.
لقد كان لوالدتي أثر عميق في تربيتي وتكويني الإنساني. فقد عملت، مع أخواتي، على تربيتي بكل حب واهتمام وأنا في سن صغيرة، وأحاطتني بعناية كبيرة حتى كبرت.
كانت تؤمن بأن العلم هو الطريق لبناء الإنسان، لذلك حثّتني دائماً على طلب العلم، وبذلت كل جهدها لتوفير فرصة التعليم لي عندما كنت طالباً رغم صعوبات الحياة في تلك السنوات.
كما غرست في نفسي قيماً إنسانية نبيلة، أهمها محبة الناس، ومساعدة الآخرين، والوقوف إلى جانب المحتاجين.
وكانت تؤكد دائماً أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يقدمه من خير للناس.
كما علمتني العطاء دون انتظار مقابل، والتسامح حتى مع من قد يسيء إلينا، لأن التسامح في نظرها لم يكن ضعفاً، بل قوة أخلاقية تعكس سمو النفس وعمق الإيمان.
كما شددت دائماً على أهمية الحفاظ على الجيرة الحسنة واحترام الناس والتعامل معهم بخلق كريم، لأن المجتمع المتماسك يقوم على المحبة والتكافل والتراحم بين أبنائه.
لقد كانت تلك القيم التي زرعتها في نفسي هي البوصلة التي حاولت أن أسترشد بها في حياتي المهنية والاجتماعية، وفي عملي من أجل خدمة المجتمع.
رحم الله والدتي رحمة واسعة، وجعل ما زرعته من قيم في أبنائها وأحفادها صدقة جارية لها، وجزاها عنا خير الجزاء.
إن الأم ليست مجرد ذكرى في يوم من أيام السنة، بل هي مدرسة الحياة الأولى التي نتعلم فيها معنى المحبة والرحمة والعطاء.
وقد ترحل الأمهات عن هذه الدنيا، لكن كلماتهن تبقى في الذاكرة، وتربيتُهن تبقى في سلوكنا، والقيم التي غرسنها فينا تبقى حية في أعمالنا ومواقفنا.
وإذا أردنا أن نكرم أمهاتنا حقاً، فليس ذلك بالورود والكلمات فقط، بل بأن نحمل القيم التي علمننا إياها ونحوّلها إلى صلة رحم ورحمة بين الناس وعطاء للمجتمع.
رحم الله أمهاتنا جميعاً، وأطال في عمر الأمهات بيننا.
الأم مدرسة القيم، وفي لمّة العيد نكتشف أن أجمل ما علمتنا إياه هو صلة الرحم.
ونتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يغيّر الأحوال إلى الأفضل، وأن ينعم على بلادنا ومجتمعنا، وعلى العالم بأسره، بالأمن والاستقرار والسلام.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency