في زمنٍ أصبحت فيه حياة الناس مكشوفة على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت دائرة المقارنة بين البشر؛ يقارن الإنسان بيته ببيت غيره، وسيارته بسيارة غيره، ورزقه برزق غيره، حتى بات كثيرون يعيشون في سباقٍ لا ينتهي. وهنا تكمن المشكلة: فالمقارنة المستمرة لا تصنع السعادة، بل قد تقود إلى القلق والتوتر، بل وإلى أزماتٍ مادية واجتماعية تمسّ الفرد والأسرة والمجتمع.
حين ينشغل الإنسان بالمقارنة، يشعر دائمًا أن ما لديه قليل، وأن الآخرين يعيشون حياة أفضل. فيسعى إلى تقليدهم في المظاهر والإنفاق، حتى لو كان ذلك فوق قدرته. وهكذا تدخل بعض الأسر في دوامة الديون والضغوط المالية، ويصبح الهمّ الأكبر هو مجاراة الآخرين بدل بناء حياة متوازنة قائمة على القناعة والاعتدال.
لقد نبّهنا القرآن الكريم إلى خطورة النظر إلى ما عند الآخرين بعين المقارنة والحسد، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (طه: 131).
كما قال سبحانه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7).
وفي السنة النبوية الشريفة توجيهٌ بليغ في هذا المعنى، إذ يقول النبي ﷺ:
“انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم.”
وهذا المعنى لم يقتصر على الإسلام، بل هو قيمة إنسانية مشتركة في مختلف الأديان والثقافات. ففي الكتاب المقدس ورد في رسالة العبرانيين:
“لتكن سيرتكم خالية من محبة المال، كونوا مكتفين بما عندكم.” (عبرانيين 13:5).
كما جاء في الوصايا العشر:
“لا تشتهِ بيت قريبك ولا شيئًا مما لقريبك.” (خروج 20:17).
هذه النصوص الدينية العميقة تؤكد أن الطمأنينة لا تأتي من ملاحقة ما عند الآخرين، بل من القناعة والرضا بما قسمه الله للإنسان.
إن أخطر ما في المقارنات أنها لا تؤثر على الفرد فقط، بل تمتد إلى داخل الأسرة. فحين يعيش الأب أو الأم تحت ضغط المقارنة مع الآخرين، ينتقل هذا الضغط إلى الأبناء. فينشأ الأطفال وهم يشعرون أن قيمتهم تقاس بما يملكون، لا بما يحملون من أخلاق وقيم وإنجازات. وهكذا تتحول الحياة العائلية من مساحة محبة وطمأنينة إلى مساحة ضغط وتنافس.
لكن حين تسود ثقافة الامتنان داخل الأسرة، تتغير الصورة تمامًا. فالأسرة التي تُعلّم أبناءها شكر النعمة، والاعتزاز بما لديها، والنظر إلى الحياة بعين الرضا، تبني جيلًا أكثر توازنًا وثقة بالنفس، وأكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة دون الوقوع في فخ المقارنات.
إن أعظم ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو أن يرى النور في حياته بدل الانشغال بما ينقصه. فلدينا نِعَم كثيرة قد لا ننتبه إليها: الصحة، والعائلة، والأصدقاء، والأمان، وراحة القلب. هذه النعم لا تُقاس بثمن، ولا يمكن لأي مقارنة أن تعوّض فقدانها.
فلنُربِّ أنفسنا وأسرنا على ثقافة الامتنان بدل ثقافة المقارنة، وعلى القناعة بدل السباق الاستهلاكي الذي لا نهاية له. وعندها فقط نكتشف أن السعادة الحقيقية ليست في امتلاك المزيد، بل في تقدير ما بين أيدينا من نعم. فالقلوب الممتنة أكثر طمأنينة، والأسر القانعة أكثر استقرارًا، والمجتمعات التي تُعلي قيمة الرضا والاعتدال هي مجتمعات أكثر تماسكًا وسلامًا.
وفي هذا السياق، يثمّن الشيخ سمير عاصي المبادرات المجتمعية والتوعوية التي تسعى إلى ترسيخ قيم الحوار والتفاهم وتعزيز السلم الأهلي داخل المجتمع. ويشير إلى أهمية الجهود التي تُبذل في نشر ثقافة الوساطة وحل النزاعات بطرق حضارية، ومن بينها الدور الذي يقوم به المركز القطري للوساطة والسلم الأهلي الذي بادر إلى إقامته قبل سنوات الدكتور غزال أبو ريا، بهدف تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم ومعالجة الصراعات داخل المجتمع والمؤسسات.
كما يشيد الشيخ عاصي بالجهود التثقيفية التي يبذلها المركز من خلال الدورات وورشات العمل والأيام الدراسية التي تعالج قضايا مجتمعية مهمة، وبإصدار كتاب “الوساطة في المدرسة والمجتمع – دليل تطبيقي”، الذي يُعد مرجعًا مهمًا للمعلمين والمربين والناشطين المجتمعيين، ويسهم في ترسيخ ثقافة الوساطة والتفاهم داخل المدارس والمؤسسات والمجتمع عمومًا.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency