حسب نتنياهو فإن ورطة ترامب في خياراته هي فرصة إسرائيلية كبرى

أمير مخول
نُشر: 17/03/26 10:59

يتضح من تصريحات الرئيس ترامب في الأيام الماضية بأن الأولوية الامريكية انتقلت من اسقاط النظام كهدف أوّل، الى السيطرة على مضيق هرمز. فيما تأتي السياسة الامريكية بتحرير كميات كبيرة من احتياطي النفط الهائل الى السوق الامريكية الداخلية سعيا لوقف التضخم المالي وضعف الدولار. فيما لا يزال الرئيس ترامب في مسعاه لطمأنة السوق الامريكية بأنّ ارتفاع أسعار النفط الناتج عن اضطراب الامدادات العالمية وحصريا من مضيق هرمز والتي تقلصت بنحو 98 بالمائة هو ارتفاع مؤقت الى حين سيطرة الولايات المتحدة على المضيق وفقا له لتعود وتهبط الأسعار.

في المقابل تنحو إيران الى خلق حالة من التفاهمات مع الدول غير المتورّطة في الحرب كي تتاح لناقلاتها النفطية المرور. بينما يضطر ترامب الى تخفيف القيود الغربية المفروضة على توريد النفط والغاز من روسيا والتي تم فرضها في سياق الحرب في أوكرانيا، بينما أولوية الرئيس الأمريكي حاليا هي ضبط أسعار النفط في بلاده، كي يضمن عدم اكتراث الراي العام الأمريكي بصدد مساعيه لاحتلال مضيق هرمز والسيطرة الكبرى على ممرات امدادات الطاقة.

بدورها تقوم الحكومة الإسرائيلية بالتصعيد وتعمل على مواءمة أهدافها مع لأهداف الامريكية، ووفقا للقناة 12 ستواصل إسرائيل حربها في ايران طالما واصلتها الولايات المتحدة. فيما تؤكد التصريحات الإسرائيلية الرسمية بأن سلاح الجو يعمل على القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية في منطقة الساحل المطل على مضيق هرمز وذلك في السعي الى احتلال جزيرة خارك امريكياً وسيطرة القيادة الوسطى على مضيق هرمز بالكامل ويدار أمريكيا.

لم يكن ملف مضيق هرمز ضمن الأهداف المعلنة للحرب؛ أمريكياً كانت الأهداف المعلنة محصورة في الملف النووي الإيراني والصاروخي؛ فيما إسرائيليا كانت الأهداف العلنية اسقاط النظام الإيراني وحتى تفكيك الدولة، ومن خلال ذلك القضاء على "الخطر الوجودي" من النووي والصاروخي الإيراني. بناء عليه ترى إسرائيل ان أي هدف امريكي قائم او مستحدث سيخدمها.

كما اغتنمت إسرائيل الفرصة التي سعت اليها وهي مَوضَعة نفسها كدولة شريكة وقوة متقدمة في السياسات الحربية الامريكية في المنطقة وخارجها. يأتي ذلك في عصر الصراع على النظام الدولي برمته، فهل يترسخ مبدأ النظام العالمي متعدد الأقطاب أم بمقدور الولايات المتحدة إعادة نظام القطب الواحد دونما وجود حلفاء لها في العالم سوى إسرائيل.

هذا ما قد يفسر لهجة ترامب المضطربة والقائمة على التهديد والوعيد لحلفاء بلاده في حلف الناتو او للدول الخليجية التي يريدها ان تدخل الحرب او بدعوته لكل الدول المتضررة من اغلاق مضيق هرمز الى ارسال قواتها. في المقابل يفسر تورّط ترامب في عدم القدرة على حسم المعركة تصريحاتَه المتضاربة والتي بجزئيتها تتحدث عن قرب نهاية الحرب وبجزئيتها الأخرى عن إطالة أمدها باستخدام المزيد من القوة حتى اسقاط النظام الإيراني. 

ما يعزز التقديرات بانكشاف الأهداف الامريكية الحقيقية للحرب والتي قدرناها منذ البداية بأنها أبعد من الملف النووي الإيراني وأوسع من جغرافية إيران، هو تلك البنية التي يقيمها ترامب في مسعاه لترسيخ نظام عالمي أحاديّ القطب وتحت الهيمنة الامريكية، وذلك بعد ان أخفق في سياسة الرسوم الجمركية التي أشغل بها العالم ثم تراجع عن معظمها. حاليا يبقى من هذه البنية الجديدة الإطار الذي أقامه ترامب وهو "مجلس السلام"، وتحت عنوان انهاء الحرب على غزة، والذي يخضع لهيمنه الشخصية، والذي أعلن منذ تأسيسه بأن مهمته لا تنحصر في غزة بل في "حل صراعات حول العالم"؛ أي كبديل لمجلس الامن وللشرعية الدولية المؤسِّسة للنظام الدولي.

تفيد التقديرات الإسرائيلية العلنية بقناعة حكومة نتنياهو بأن ترامب يصرّ على اسقاط النظام الإيراني، ووفقا للتقديرات فإنه لا ينوي وقف الحرب قبل تحقيق المهمّة، فيما عسكريا تفيد التقديرات الإسرائيلية بأن الجيش الأمريكي يعدّ الخطط العملياتية للسيطرة على مضيق هرمز، وهذه مهمة تستوجب شهرا إضافيا من الحرب، وبأنه "طالما تواصل الولايات المتحدة الحرب يتوجب على إسرائيل الوقوف الى جانبها". تفسير هذه التقديرات هو ان الحرب تتواصل لشهر إضافي على الأقل، لكن التحليلات الوازنة تؤكد ان ترامب قد يوقف الحرب في كل لحظة إذا اقتنع بأنها خاسرة من حيث الهدف او انها ستؤثر سلبا على وضعيته السياسية ووضعية الولايات المتحدة وهيمنتها.

فيما موقف الدول العربية والإقليمية وحصريا دول الخليج ومواقف كل من الصين وروسيا وأوروبا وكندا واليابان تؤكد لترامب أن لا حلفاء مباشرين له في هذه الحرب. هذه المواقف مربكة لترامب ليجد اقطاب ادارته وتقديرات الامن القومي الأمريكي أن الولايات المتحدة فعليا تورطت في حرب لا ضمان لتحقيق أهدافها اذا استمرت، مقابل أن وقفها سيعود عليها بالإضرار بوضعيتها إقليميا ودوليا. أو كما يعرّف الامر المحلل الوازن في صحيفة هارتس تسفي بارئيل، بأنه في هذه الحرب غير المتكافئة بامتياز فإن عدم سقوط النظام الإيراني والدولة يعتبر انتصارا، فيما الانتصار الأمريكي الإسرائيلي يتطلب حربا تصعيدية لا تتوقف لكنها ليست مضمونة النتائج.

تعتبر ورطة ترامب في الحرب وانعكاسها في داخل ادارته وحزبه ودولته العظمى بمثابة فرصة لدى حكومة نتنياهو التي تسعى الى تعميقها في حال وجدت الى ذلك سبيلا. على هذا الأساس تنتشر بتسارع الاعتبارات داخل الحزب الجمهوري وتيار الانكفاء الأمريكي، بأن ترامب يتورط في حروب نتنياهو، وبات في وضع تُحرجه فيه كل الخيارات، لكن أفضلها من حيث الأولويات الامريكية هو وقف الحرب في نقطة يستطيع ان يعلنها كل طرف انتصارا.

هناك تقديرات أمريكية وإسرائيلية وعربية بأن وضعية الولايات المتحدة لم تتحسن بل تتراجع وتفتح الأسئلة الجوهرية بصدد القواعد العسكرية في دول عديدة في العالم، والاسئلة المتعلقة بتمرّد ايران على الهيمنة الامريكية وبخلاف فنزويلا وسوريا، وعلى عزوف حلفاء الولايات المتحدة العرب ودوليا عن المشاركة في الحرب والتورط في تداعياتها. هذا الواقع لا بد ان ينعكس على صورة إسرائيل ووضعيتها في نظر الأمريكيين.

بالتداخل مع الحرب على إيران تتحول الحرب في لبنان الى مسار تريده إسرائيل ان يكون موازيا ولا ينحصر مصيرها بمصير الحرب على إيران. يؤكد الصحفي البارز رفيف دروكر ان الجبهة اللبنانية مع حزب الله تحولت الى حرب وقد تكون حربا شاملة. وبخلاف ما اعتبرته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في بدايتها بأنه فرصة وبأن إسرائيل قد أوقعت بحزب الله في شركها، الا ان الحالة تبدو منافية لذلك، وقد تعود حالة الردع بعدها بخلاف الوضع لسائد منذ اعلان وقف اطلاق النار العام الفائت. هنا أيضا بدأ الحديث وعلى لسان رئيس الأركان الإسرائيلي زامير بأنها حرب طويلة قد تستغرق أسابيع عديدة. كما تتبدى بشكل جليّ اكثر طبيعة المعركة مما أطلق عليه "حرب دفاع هجومية" مع منطقة عازلة حالية بنحو 7 – 9 كيلومترات في العمق اللبناني، الى حرب ليطاني جديدة وفقا لتسمية حرب الليطاني من العام 1978.

فيما تؤكد التصريحات الأمنية والسياسية ان الغاية هي احتلال كامل جنوب لبنان لغاية الليطاني والقيام بعمليات تقويضية لحزب الله في شمال الليطاني، فيما تحتفظ إسرائيل بمنطقة عازلة في الجنوب اللبناني بضعفي العمق الحالي بنحو 20 كيلومتر. وبما فيه استنساخ ما تم في غزة وحصريا "المنطقة العازلة الصفراء" و "مناطق الموت" والتي تعني ان مصير كل لبناني يقترب منها سيقتل. تبدو الخطة قيد التنفيذ وذلك بناء على الحشود العسكرية والاستدعاء الواسع للاحتياط وسياسياً ما تفسره إسرائيل الرسمية ضوءاً أخضر امريكياً، ومن المتوقع ان تشهد الجبهة تصعيدا مكثّفاً.

الحديث الفعلي عن الحرب المطوّلة سواء مع إيران أم في لبنان يخدم حلم نتنياهو في تأجيل الانتخابات للكنيست والمزمعة قانونيا لغاية تشرين ثاننوفمبر كحد أقصى. تأجيل الانتخابات من اجل البقاء في الحكم، وتحت ذريعة الوضع الأمني، قد يحصل مسبقا وبناء على تقديرات الأجهزة الأمنية والتي تخضع جميعها لهيمنة نتنياهو.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة