حين تندلع الحروب، لا تتبدّل الجغرافيا وحدها، بل تتصدّع المعاني التي تقوم عليها الحياة. الأشياء التي بدت يومًا بديهية تصبح فجأة موضع سؤال: الأمان، المستقبل، وحتى الطريق الصغير الذي يسلكه الأطفال كل صباح نحو مدارسهم. ومن بين هذه الأسئلة القلقة يبرز سؤال يمسّ جوهر الطفولة: هل ينبغي أن يعود الأطفال إلى مدارسهم في زمن الحرب؟
إنه سؤال يتجاوز حدود التعليم ليصل إلى عمق الوجود الإنساني. فالطفل خُلق ليكبر في حضن الطمأنينة، لا على حافة الخوف. لذلك يبدو طبيعيًا أن يميل القلب إلى رفض فكرة عودة الأطفال إلى المدارس في ظلّ خطرٍ يخيّم على السماء والأرض. كيف يمكن لطفل أن يفتح كتابه بينما العالم من حوله يكتب فصوله بالنار؟ وكيف يمكن للحروف أن تستقر في ذاكرة صغيرة، فيما القلق يطرق أبوابها في كل لحظة؟
غير أنّ للحقيقة وجهًا آخر لا يقلّ عمقًا. فالحرب، مهما اشتدّت، لا ينبغي أن تمتلك القدرة على إيقاف الحياة. والمدرسة ليست مجرد مبنى أو مقاعد وسبورة؛ إنها مساحة للمعنى ونافذة للحياة. عندما يدخل الطفل إلى صفّه، ولو في زمنٍ مضطرب، فإنه يستعيد شيئًا من الإيقاع الطبيعي للحياة الذي حاولت الحرب أن تكسره.
هناك، بين دفاتر صغيرة وحقائب متعبة، تتشكّل مقاومة هادئة لا تُسمع لها أصوات عالية، لكنها عميقة الأثر. فالطفل الذي يحمل حقيبته إلى المدرسة في زمن الحرب لا يحمل كتبه فقط، بل يحمل فكرة بسيطة وعظيمة في آنٍ واحد: أن الحياة أقوى من الخراب، وأن المستقبل لا ينبغي أن يُختزل في الخوف.
إنّ التعليم في زمن الأزمات يتحوّل إلى فعل أخلاقي قبل أن يكون فعلًا معرفيًا. فحين نحافظ على حق الطفل في التعلّم، نحن لا نحافظ على الدروس وحدها، بل نحافظ على إمكانية المستقبل نفسه. لأن الطفل الذي يتعلّم اليوم، رغم العتمة، قد يكون الإنسان الذي يكتب غدًا قصة سلام لم يستطع الكبار كتابتها.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا بقلقه الإنساني العميق: كيف نوازن بين حق الطفل في الأمان وحقه في الحياة الطبيعية؟ فالحياة لا تُبنى بالخوف وحده، كما أن الشجاعة لا تعني تجاهل الخطر.
ربما تكمن الحكمة في أن نحمي الأطفال بقدر ما نستطيع، دون أن نسمح للحرب بأن تسرق منهم معنى الحياة. فالحروب قد تعكّر سماء المدن، لكنها لا ينبغي أن تكون قادرة على إطفاء النور في عقول الصغار.
وهكذا تبقى المدرسة، حتى في أكثر الأزمنة قسوة، أكثر من مكانٍ للتعلّم؛ إنها وعدٌ صامت بأن الغد ما زال ممكنًا. وإذا كانت الحروب تعلّم الإنسان معنى الخوف، فإن التعليم وحده قادر على أن يعلّم الإنسان كيف يصنع الأمل.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency