الضفة تُخنق… والعالم يختار الصمت

محمّد دراوشة
نُشر: 16/03/26 13:17

ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد انفلات مستوطنين أو تجاوزات جنود. ما يحدث اليوم هو مشروع سياسي متكامل، تُنفّذ خطواته ببطء ولكن بثبات: تضييق الخناق على الفلسطينيين، تفريغ القرى من سكانها، وتحويل المدن إلى كانتونات مغلقة لا تختلف كثيرًا عن السجون المفتوحة. السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام سياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري، أو على الأقل حشرهم في جيوب محاصرة تُدار بالبوابات العسكرية؟

جريمة قتل عائلة بني عودة في طمون ليست حادثًا عابرًا. إنها مرآة تعكس نوايا أعمق. عائلة خرجت لشراء حاجيات العيد، فوجدت نفسها هدفًا لنيران جنود يختبئون خلف رواية جاهزة. حين تُقتل عائلة كاملة ثم تُغلق القضية برواية “مركبة اندفعت نحو الجنود”، فهذا ليس مجرد كذب رسمي، بل إعلان صريح بأن دم الفلسطيني مباح، وأن أحدًا لن يُحاسَب.

ولا يوجد اليوم أي شك في أن الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بتنفيذ سياسات الحكومة، بل يشجع بنفسه على تعميق الاحتلال. من يراقب سلوك الجنود على الحواجز، وفي الاقتحامات، وفي حماية المستوطنين، يدرك أن المؤسسة العسكرية تبنّت نهجًا يرى في الفلسطيني تهديدًا دائمًا، وفي المستوطن شريكًا طبيعيًا. الجيش لم يعد “أداة تنفيذ”، بل أصبح شريكًا كاملًا في مشروع السيطرة، بل وفي كثير من الأحيان المبادر الأول إلى التصعيد.

والأخطر أن الشارع الإسرائيلي نفسه يتقبل هذا الواقع، بل يراه “انتقامًا مشروعًا”. بعد سنوات من التحريض، أصبح جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي يرى في معاناة الفلسطينيين ثمنًا يجب دفعه، ويرى في قتل المدنيين “أضرارًا جانبية” لا تستحق الوقوف عندها. هذا القبول الشعبي للعنف هو ما يمنح الجيش والمستوطنين الجرأة على التمادي، لأنهم يعرفون أن المجتمع لن يحاسبهم، وأن صناديق الاقتراع تكافئ من يرفع منسوب القمع.

وفي الوقت الذي تُحاصر فيه المدن الفلسطينية بحواجز عسكرية، وتُقطع الطرق، وتُغلق المداخل، وتتحول القرى إلى جزر معزولة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل هذا احتلال… أم عملية إعادة رسم ديموغرافي؟ حين يصبح الوصول من مدينة إلى أخرى رحلة عذاب، وحين تُمنع الحركة إلا بإذن، يصبح من المشروع التساؤل: هل الهدف هو إبقاء الفلسطينيين في كانتونات مغلقة، أم دفعهم إلى التفكير بالرحيل؟

لكن ما يزيد هذا الواقع قسوة هو موقف الدول العربية والأوروبية. تلك الدول التي كانت تتغنى بدعم القضية الفلسطينية، وتملأ المنابر بالبيانات والخطابات، تبدو اليوم وكأنها اختارت “التعادل” مع الاحتلال. لا هي تقف مع الفلسطينيين، ولا هي تجرؤ على مواجهة إسرائيل.
الدول العربية التي كانت تُعتبر سندًا سياسيًا وأخلاقيًا، انشغلت بحساباتها الداخلية والإقليمية، وفضّلت الصمت على المواجهة. بعضها ذهب أبعد من ذلك، فاختار التطبيع الكامل، وكأن الفلسطيني لم يعد جزءًا من المعادلة.
أما الدول الأوروبية، التي كانت تتحدث عن “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي”، فقد اكتفت ببيانات قلق باهتة، لا تُسمن ولا تُغني. أوروبا التي كانت تُدين الاحتلال أصبحت اليوم توازن بين “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” و”ضرورة حماية المدنيين”، وكأن الطرفين متساويان في القوة والقدرة والمسؤولية.

هذا الصمت العربي والأوروبي ليس مجرد تقصير، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة الواقع الحالي. حين تُترك الضفة وحدها في مواجهة جيش ومستوطنين وسلطة عاجزة، يصبح الفلسطيني محاصرًا من كل الجهات: محاصرًا على الأرض، ومحاصرًا سياسيًا، ومحاصرًا أخلاقيًا.

ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد. إنه إعادة تشكيل للواقع. مستوطنون ينفذون، جيش يحمي، مجتمع إسرائيلي يصفّق، سلطة فلسطينية تصمت، وعرب وأوروبيون يراقبون من بعيد، وكأن ما يحدث لا يعنيهم. وفي وسط هذا كله، يقف الفلسطيني محاصرًا في كانتون مغلق، يتساءل: هل يريدون منا أن نبقى هنا… أم أن نرحل؟

والسؤال الأخطر: هل ما زال هناك من يملك الشجاعة ليقول إن ما يحدث ليس صدفة، بل سياسة تُنفّذ على مرأى العالم؟

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة