أمريكا تغيّر بوصلتها: إسرائيل تفقد احتكار التعاطف… والفلسطينيون يدخلون الوعي الأميركي بقوة

محمد دراوشة
نُشر: 15/03/26 12:46

أمريكا تغيّر بوصلتها: إسرائيل تفقد احتكار التعاطف… والفلسطينيون يدخلون الوعي الأميركي بقوة

بقلم: محمد دراوشة

تشهد الولايات المتحدة تحولاً غير مسبوق في نظرتها للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، تحولاً يضرب في عمق الرواية التي اعتمدت عليها إسرائيل لعقود طويلة. فبحسب استطلاع مؤسسة غالوب، وللمرة الأولى منذ بدء القياسات، بات الأميركيون يميلون إلى التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل. هذا ليس مجرد تغيّر رقمي، بل انقلاب في المزاج السياسي والثقافي، خصوصاً بين الشباب والناخبين الديمقراطيين، الذين يشكلون مستقبل القرار الأميركي.

استطلاعات أخرى  أكدت الاتجاه ذاته، لكنها كشفت أيضاً أن الأمريكيين لا يبتعدون عن إسرائيل فقط، بل يعيدون تقييم الأسس الأخلاقية والسياسية التي قامت عليها العلاقة معها. فبينما يرى نصف الأميركيين تقريباً أن قيام إسرائيل كان عودة تاريخية لليهود، فإن النصف ذاته تقريباً يعبر عن قلق عميق من المسار الذي تسلكه الدولة، ولا يرى فيها نموذجاً ديمقراطياً كما كانت تُقدَّم لعقود. الأسوأ بالنسبة لإسرائيل أن 39% من الأميركيين باتوا يصفونها بأنها دولة استعمارية استيطانية، وهي نسبة ترتفع عاماً بعد عام.

وفي المقابل، يتقدم الوعي بالحقوق الفلسطينية بخطوات ثابتة. فرغم وجود أقلية تنكر وجود الشعب الفلسطيني، فإن 60% من الأميركيين يدعمون حق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة، وهي زيادة واضحة منذ عام 2023. هذا التحول يعكس انهيار الرواية الأحادية التي احتكرتها إسرائيل في الوعي الأميركي، وصعود فهم أكثر توازناً للواقع التاريخي والسياسي.

حتى في تفسير أحداث السابع من أكتوبر، يظهر الانقسام الأمريكي بوضوح. فبينما يرى 39% أن الهجوم كان عملاً من أعمال المقاومة ضد القمع، يعتبره 60% محاولة لإبادة جماعية. هذا الانقسام يكشف أن جزءاً كبيراً من الأمريكيين بات يرى جذور العنف في السياسات والممارسات الإسرائيلية نفسها، وليس فقط نسبها للفلسطينيين.

ورغم كل هذا التوتر، يبقى الأمريكيون براغماتيين في رؤيتهم للحل. ف-60% منهم يعتقدون أن الصراع لا يمكن أن يُحسم إلا عبر مفاوضات وتسوية سياسية، بينما يرفض معظمهم السيناريوهات المتطرفة التي تتبناها الأصوات المسيطرة في إسرائيل . كما يريد نصف الأمريكيين تقريباً دوراً أمريكياً نشطاً في دفع الطرفين نحو حل، ويؤيد 57% ممارسة ضغط متوازن على إسرائيل والفلسطينيين معاً، وليس على طرف واحد كما اعتادت واشنطن لعقود.

وفي ملف الدعم، ورغم استمرار التأييد للمساعدات العسكرية لإسرائيل، فإن 54% من الأمريكيين يطالبون في الوقت نفسه بتقديم مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة. هذا التوازن يعكس وعياً جديداً يرى أن الأمن لا يبرر تجاهل المأساة الإنسانية، وأن دعم إسرائيل لا يعني منحها شيكاً مفتوحاً.

وعندما سُئل الأمريكيون عن أساس العلاقة بين بلادهم وإسرائيل، أشار معظمهم إلى المصالح المشتركة قبل القيم المشتركة، في إشارة واضحة إلى أن البعد الأخلاقي الذي كانت إسرائيل تتكئ عليه بدأ يتآكل.

قبل التصعيد الأخير مع إيران، كانت الصورة واضحة: دعم تقليدي لإسرائيل، لكنه يتآكل تدريجياً؛ نقد متزايد لسياساتها؛ اعتراف متصاعد بالحقوق الفلسطينية؛ ورفض للحلول المتطرفة. هذه ليست مجرد أرقام، بل رسالة سياسية صريحة: الرأي العام الأمريكي لم يعد يمنح إسرائيل حصانة أخلاقية أو سياسية، ويتوقع منها خطوات جدية نحو حل الصراع، لا مزيداً من المماطلة.

إعادة بناء صورة إسرائيل في الولايات المتحدة لم تعد مهمة خبراء العلاقات العامة كما يعتقد نتنياهو، بل مهمة سياسية تتطلب تغييراً حقيقياً في سلوك هذه الدولة وحكومتها المبنية فقط على مبدأ استعمال القوة والقوة المفرطة. الأمريكيون يقولون ذلك بوضوح، وإسرائيل تتجاهل. لكن تجاهل الحقائق لا يغيّرها، بل يجعلها أكثر حدّة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة