هل تتحول الحرب في إيران إلى حرب استنزاف طويلة؟ 

أدهم إبراهيم
نُشر: 13/03/26 21:59

تصاعدت التوترات بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى منذ أواخر فبراير/شباط 2026، بعد سلسلة من الضربات العسكرية المتبادلة التي أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق. ومع اتساع رقعة المواجهة، يبرز سؤال جوهري: هل تتجه هذه الحرب نحو نهاية سريعة كما تتوقع واشنطن، أم أنها قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة كما تراهن طهران؟

في بداية العمليات العسكرية، توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تستمر الحرب بين أربعة وستة أسابيع فقط. غير أن القيادة الإيرانية أعلنت منذ الأيام الأولى استعدادها للصمود لفترة أطول بكثير، معتبرة أن سقف المطالب الأمريكية مرتفع للغاية. فواشنطن لا تطالب فقط بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم، بل تريد أيضاً تقليص مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين الذين تتهمهم الولايات المتحدة بتهديد الأمن والملاحة في المنطقة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أعلن ترامب لاحقاً رغبته في تغيير نظام الحكم في إيران، وهو ما زاد من تعقيد الصراع وعمّق الفجوة بين الطرفين.

وترى طهران أن الأهداف الأمريكية المعلنة لايمكن تقبلها ، الأمر الذي جعل مسار الحرب ينحرف عن السيناريو الذي خططت له واشنطن. فالنظام الإيراني، رغم الضغوط الهائلة، يعوّل على استراتيجية تقوم على استنزاف القوات الأمريكية وإطالة أمد الصراع لكسر عزيمتها. فالحرس الثوري الإيراني لا يسعى إلى هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل في حرب تقليدية مباشرة، بل إلى جعل الصراع مطولاً ومنتشراً إقليمياً ومكلفاً اقتصادياً، أي تحويله إلى حرب استنزاف، في وقت ترغب فيه واشنطن بتحقيق أهدافها خلال أسابيع قليلة.

تعتمد إيران في هذه الاستراتيجية على مجموعة من الوسائل العسكرية، أبرزها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل الحوثيين في اليمن، والجماعات المسلحة في العراق، وحزب الله في لبنان. غير أن هذه الأذرع الإقليمية تكبدت خسائر كبيرة خلال موجة الصراعات التي اجتاحت المنطقة منذ الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما قد يقلل من فعاليتها في دعم الاستراتيجية الإيرانية الحالية.

على الصعيد الدولي، تعد روسيا من أكثر المستفيدين من هذه الحرب، خصوصاً بعد إعلان ترامب تخفيف بعض العقوبات لضمان تدفق النفط في الأسواق العالمية، في خطوة فسّرها البعض بأنها إشارة غير مباشرة إلى العقوبات المفروضة على موسكو. أما الصين، ورغم تضررها من اضطراب إمدادات النفط القادمة من الخليج، فمن غير المتوقع أن تتدخل عسكرياً في هذا الصراع، وإن كان هناك من يعتقد بوجود تفاهمات غير معلنة بينها وبين الولايات المتحدة تقوم على مبدأ تبادل المصالح.

في المقابل، كانت إيران تستعد لمثل هذه المواجهة منذ سنوات طويلة. ورغم ضعف النظام والضربات القاسية التي تعرضت لها البنية التحتية، فإن النظام الإيراني لم ينهَار حتى الآن، ولا يزال قادته يتحدثون عن استراتيجية الصمود وحرب الاستنزاف. إلا أن تطبيق هذه الاستراتيجية ليس سهلاً في ظل الدمار الكبير الذي طال المنشآت المدنية والعسكرية.

ويستشهد بعض المحللين بقدرة إيران على الصمود خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن المقارنة بين الحربين ليست دقيقة. فالحرب السابقة كانت مدفوعة بمصالح قوى دولية كبرى، بينما تتسبب الحرب الحالية بأضرار واسعة لكثير من دول العالم، شرقاً وغرباً، ما يجعل استمرارها لفترة طويلة أمراً بالغ التعقيد.

في أول مؤتمر صحفي له منذ بدء الهجوم، أكد الرئيس الأمريكي يوم الاثنين أن العمليات العسكرية تسير بصورة جيدة، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية تمكنت من القضاء على البحرية الإيرانية وتقليص قدراتها الصاروخية الباليستية. وفي مقابلة مع شبكة CNN، هدد ترامب بشن ضربات مؤلمة إذا أقدمت إيران على تلغيم مضيق هرمز. وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط، أعلن أيضاً عزمه رفع بعض العقوبات بهدف خفض الأسعار واستقرار الأسواق.

كما صرّح ترامب لشبكة CBS بأن الحرب ستنتهي قريباً، قائلاً إن إيران لم يعد لديها أسطول بحري أو بنية تحتية للاتصالات أو قوة جوية، وأن صواريخها وطائراتها المسيّرة تعرضت للتدمير. في الوقت نفسه، تؤكد إسرائيل أنها تشن يومياً موجات من الضربات الواسعة على طهران ومدن أخرى داخل إيران.

غير أن استدامة الاستراتيجية الإيرانية قد تعتمد إلى حد كبير على ورقة مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وقد أعلنت إيران فعلياً إغلاق المضيق، مهددة بمهاجمة أي سفينة تحاول عبوره، الأمر الذي قد يسبب عواقب اقتصادية خطيرة على مستوى العالم. وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة الدول السبع استعدادها لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما في ذلك استخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية، من أجل استقرار الأسواق العالمية.

ورغم التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يؤكده العديد من الخبراء العسكريين، فإن إيران ما تزال تمتلك قدرة على توجيه ضربات مؤثرة تستهدف البنية التحتية الإسرائيلية والقواعد العسكرية الإقليمية وحلفاء واشنطن، فضلاً عن تهديد تدفقات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. فحتى بعد آلاف الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، تواصل إيران الرد وتوسيع نطاق الصراع في المنطقة باستخدام الطائرات المسيّرة. وفي اليوم الحادي عشر من الحرب، بدلاً من التراجع، تُظهر طهران عزماً على الصمود.

غير أن الحرب الحالية تشهد أيضاً استهتاراً واضحاً بحياة المدنيين، خصوصاً في إيران ولبنان، كما أن الضربات الصاروخية التي طالت بعض دول الخليج قد تترك آثاراً سلبية طويلة الأمد على العلاقات الإيرانية مع الدول العربية.

ومن الصعب تصور أن إيران ستستسلم بسهولة، كما أن ترامب يسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة قبل الانتخابات النصفية للكونغرس. لكن كلفة الحرب بدأت ترتفع بشكل كبير على الولايات المتحدة، خاصة أن ترامب، بصفته رجل أعمال، يدرك جيداً حسابات الكلفة والعائد. أما إسرائيل فهي تتعرض بدورها لأضرار كبيرة نتيجة الضربات الصاروخية وحالة الرعب بين السكان، فضلاً عن التكاليف الاقتصادية الثقيلة، خصوصاً وأن جزءاً كبيراً من جيشها يتكون من قوات الاحتياط، ما يؤدي في كل حرب إلى تعطّل قطاعات اقتصادية واسعة.

صحيح أن إيران لن تستسلم بسهولة، إلا أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية المدنية والعسكرية، إضافة إلى الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تهدد استقرار النظام نفسه. ولذلك فإن إطالة أمد النزاع ليست بالضرورة في مصلحة طهران، لأن حرب الاستنزاف قد تنعكس عليها أيضاً.

كما أن دولاً أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى العديد من الدول الأخرى، تضررت بشكل كبير نتيجة اضطراب إمدادات النفط والغاز. ولهذا السبب تتزايد الجهود الدبلوماسية، العلنية والسرية، لوقف الحرب، وليس آخرها المساعي التي يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوسط بين الأطراف المتحاربة.

في النهاية، يبدو أن الحل السلمي والعودة إلى طاولة المفاوضات يظل الطريق الأكثر أماناً للجميع. غير أن الثقة بين إيران والولايات المتحدة تضررت بشدة، خصوصاً بعد أن تعرضت إيران لهجمات عسكرية خلال فترات تفاوض سابقة. وربما يكون السيناريو الأكثر واقعية هو التوصل إلى هدنة مؤقتة بين الأطراف، لكن إذا بقيت القضايا الجوهرية محل خلاف، فإن خطر اندلاع حرب جديدة سيظل قائماً في المستقبل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تستمر هذه الحرب لفترة طويلة، لأن استمرارها لا يخدم مصالح أي طرف، سواء الدول المتحاربة نفسها أو بقية دول العالم التي تراقب الصراع وتتحمل تبعاته الاقتصادية والسياسية. وفي ظل هذا الواقع، قد تدفع الضغوط الدولية والاقتصادية الجميع في نهاية المطاف نحو وقف القتال والبحث عن تسوية سياسية مقبولة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة