على خُطى سير أعلام النبلاء (5)
إعداد: الشيخ أمير نفار - عضو حركة الدعوة والإصلاح
لقاء قصير، لكنه انتصب في تاريخ التربية كمنارةٍ لا تنطفئ.
الرواية كما سطرتها المنابع الأولى، يروي ابن سعد في "الطبقات" بإسناده الثابت: مرّ عبد الله بن عمر براعي غنم، فسمعه يقول: اللهم ارحم عمر، وارحم عبد الله بن عمر.
فوقف عنده، وفي عينيه سؤال كبير، وقال له بصوتٍ يشبه العتاب إذا رقّ والرحمة إذا اشتدّت:
"ويحك! أنا والله أخوف عليك من عمر! أتدعو لنا وتترك نفسك؟!"
ثم مضى، لكنه مضى مثقلًا لا خفيفًا. فلما خلا بنفسه بكى بكاءً شديدًا، فسُئل عن سبب بكائه فقال:
"وددت أني كلمته بكلمة واحدة".
وتُخبرنا روايات الذهبي وأبي نعيم، أن دموعه بلّلت لحيته، وأن الموقف، على صغره، هزّه هزًّا لا يعرفه إلا من عاش بقلبٍ يخشى الله كأنما يراه.
ابن عمر لم يسمع اسمه، بل سمع غفلة رجلٍ يدعو لغيره وينسى نفسه.
اقترب منه، وقال: "ويحك! أنا والله أخوف عليك من عمر! أتدعو لنا وتترك نفسك؟!"
-لقد وقف على هذه القصة المباركة عدد من أهل التربية والدعوة، يستخرجون كنوزها، ويُسطرون دروسها، نجمع منها:
*كلمات قصيرة، لكنها طبقات من الرحمة واليقظة:
عتابٌ يقطر شفقة، وقسم يطيح بالمجاملات، وقلب يحمل الناس لا يعلو عليهم، وسؤال يهزّ الغفلة من جذورها.
ثم انصرف، لكن الانصراف كان بالجسد فقط. فقد بقي قلبه معلّقًا بالرجل. وحين خلا بنفسه انفجرت دموعه، كأنها تغسل شيئًا لم تستطع الكلمات أن تغسله.
دموع رجل يحاسب نفسه محاسبة لا يحسنها كثير من الناس لغيرهم، دموع من خشي أن يكون قصّر في إنقاذ قلب صغير...
عبد الله بن عمر، وهو الفقيه العابد، يخشى على راعٍ مجهول، بينما نرى في مجالس اليوم من لا يخشى إلا على صورته أمام الناس.
ويفزع منتفضًا يحسد الناس على ما أفاء الله عليهم من علم وحكمة.
ابن عمر يبكي لأنه لم يتم النصيحة، ونرى في بعض الأصدقاء من يفرح لأنه أتمّ السخرية على صاحبه.
ذاك الراعي يرفع الرجلين بالدعاء، وبعض الأخلاء اليوم يرفعون أنفسهم بتحقير آراء إخوانهم.
ابن عمر يقلقه أن رجلًا نسي نفسه وهو يدعو، وبعض الناس يقلقهم أن صاحبهم تكلّم كلمة لم توافق هواهم.
السلف كانوا إذا جلسوا تفقدوا قلوبهم، والكثير اليوم إذا جلس تفقد ذكاء الآخرين، ومستوى علمهم، ونقاط ضعفهم.
ذاك ينشغل بالرحمة، وهؤلاء ينشغلون بالغيرة والحسد والنقد اللاذع، وبمحاولة الظهور في ثوب الرفعة ولو على أطلال إخوانهم.
ذاك العالم خاف على الراعي، وبعضنا يخاف من "الراعي" أن يتقدّم عليه!
إن دموع ابن عمر مرآة نرى فيها الفرق الكبير بين قلبٍ يحمل الناس على منكبيه، وبين قلبٍ يقف فوقهم ليقيس طولهم ووزنهم ومعرفتهم.
وهذا عمقٌ لا يبلغه إلا من صفت نفسه وتهذبت روحه.
كان ابن عمر يخاف من التقصير، بينما يخاف بعض الناس اليوم من أن يظهروا أقل علمًا أو فهمًا أو منزلة من أصحابهم.
كان السلف ينظرون إلى البسطاء ككنوز، وبعضنا ينظر إليهم كفرصٍ للاستعلاء.
كانوا يهابون الله، ونخشى نحن من أحكام الناس.
*إن في هذا المشهد:
رُقيًّا في تربية النفس، وعمقًا في التعامل مع الخلق،
وصدقًا في منهج الدعوة، ونقاءً في الشخصية الإيمانية.
فالنصيحة رحمة، لا استعلاء، والعلم تواضع، لا منبر مفاخرة.
والأخوة ستر، لا سوق غيبة، والمجالس رفعة للقلوب، لا ساحة لتمزيقها.
*وما أحوج الأخلاء اليوم إلى دمعةٍ من نوع دمعة ابن عمر:
دمعة تذكّرهم أن رفعتهم في التواضع، وأن مكانتهم في رحمتهم، وأن أخوتهم في سترهم، وأن الخير كل الخير أن يبكي الإنسان لأنه لم ينصح صاحبه كما ينبغي، لا لأنه لم ينتصر عليه في مجلس.
*سؤال قبل الختم: لماذا يتذكر هذا الراعي عمر بن الخطاب؟ ولماذا يدعو له ناسيًا نفسه؟!
هل نسينا دعاء وورد الرابطة عند الفجر؟! وعند الغروب؟!
لابد أن هذا الدعاء عند الفجر كي تشرق به شمس المحبة والتعاطف والتراحم فتسكن قلوبنا بالإيمان.
وعند الغروب كي تغرب به شمس التباغض والتناحر، ويذهب كل ما يفسد الأخوة إلى أفول.
*أخيرًا
إن الأمة التي يبكي علماؤها ومصلحوها لأنهم لم ينصحوا راعيًا كما يجب، هي الأمة التي تملك أن تُغيّر العالم.
فطوبى لأمةٍ كان علماؤها يبكون لأن راعيًا ذكرهم، ولم يبكوا لأن أحدًا نسيهم.
وطوبى لأمةٍ بقيت دمعة الخشية فيها أعلى من ضحكة الاستعلاء والتكبر.
وطوبى لقلوبٍ تشبه قلب عبد الله بن عمر، تتواضع وترقّ، وتخاف وتُشفِق، وتُصلح الناس بإصلاح نفسها قبل ألسنتها.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency