حين تدخل الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في مواجهة تهدف لإسقاط أو إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثم تفشل في الوصول إلى نتيجة حاسمة، فإن المنطقة لا تعود كما كانت. فالفشل هنا لا يعني انتهاء الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة موازين القوة وحدود النفوذ، وتُختبر فيها قدرة القانون الدولي على الصمود أمام القوة.
في مثل هذا المشهد، تخرج إيران عادة أكثر تماسكاً. فالدولة التي تصمد أمام ضغط عسكري وسياسي بهذا الحجم، تستثمر نجاتها بتوسيع علاقتها مع روسيا والصين، وتعزيز شبكات نفوذها الإقليمية، وتسريع تطوير قدراتها الدفاعية. ويصبح الصمود بذاته رسالة استراتيجية: أن إسقاطها لم يعد خياراً سهلاً، وأن قوتها لا تتراجع بل تتعمّق.
أما في الجانب الآخر، فإن الهيبة الأميركية تتعرض لهزّة. فواشنطن التي اعتادت فرض إرادتها بالقوة ترى أن نفوذها لم يعد مطلقاً كما كان، وأن قدرتها على تشكيل الشرق الأوسط تتراجع أمام صعود أقطاب جديدة. وإسرائيل بدورها تواجه قلقاً أعمق، إذ يصبح “الردع” الذي تعتمد عليه أقل ثباتاً، ويتضاعف الضغط الداخلي عليها كلما طال الصراع دون حسم.
على مستوى القانون الدولي، تبدو الصورة واضحة نظرياً: أي هجوم يهدف لتغيير نظام دولة ذات سيادة هو خرق صريح للميثاق الأممي. لكن الواقع يثبت أن القانون يُطبق على الضعفاء أكثر مما يُطبق على الأقوياء، وأن موازين القوة—not النصوص—هي التي تحدد السلوك. ولذلك تستمر الازدواجية: ما يُمنع على الآخرين يبدو مسموحاً للقوى الكبرى، لا لأنها محقّة، بل لأنها قادرة.
لكن أخطر التحولات تظهر عند دول الخليج، خصوصاً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت.
فعندما يمتدّ الصراع إلى أراضيها أو منشآتها، تُدرك أن المظلّة الأمنية الأميركية ليست ضماناً مطلقاً، وأن الجغرافيا تجعلها في خط التماس مهما حاولت الابتعاد عن الضجيج. وهذا يفتح الباب أمام ثلاثة تغييرات أساسية في مستقبل السياسة الخليجية:
أولها، إعادة تعريف مفهوم الحماية الخارجية. فبعد أي استهداف—even محدود—يصبح الاعتماد المطلق على واشنطن محل مراجعة، وتتجه الدول الخليجية نحو تنويع شراكاتها الدفاعية، مع الصين وربما روسيا، بالتوازي مع بناء قدرات محلية أكثر استقلالية.
وثانيها، التوجه نحو تهدئة أعمق مع إيران. فحماية الاستقرار هنا لن تمرّ فقط عبر التسليح، بل عبر الحوار وتفاهمات طويلة المدى. لقد بدأت بوادر ذلك مسبقاً، لكنها ستتسارع كلما شعرت الدول الخليجية بأن اشتعال جبهة واحدة يمكن أن يمرّ عبرها دون رغبتها.
وثالثها، تسريع التحول الاقتصادي بعيداً عن النفط، لأن أي هجوم على منشأة طاقة يكشف هشاشة الاعتماد عليه. وهكذا يصبح الأمن الاقتصادي جزءاً من الأمن القومي، وتتحول مشاريع التنويع إلى ضرورة لا خيار.
وفي المحصلة، فإن فشل محاولة إسقاط النظام الإيراني لا يؤدي إلى هدوء، لكنه لا يقود أيضاً إلى حرب شاملة. المنطقة تتجه نحو توازن جديد: إيران فيه أقوى، الولايات المتحدة أقل مطلقية، إسرائيل أكثر قلقاً، والخليج أكثر براغماتية وحرصاً على الاستقرار، بينما يتحول الشرق الأوسط تدريجياً إلى ساحة تتقاسمها قوى متعددة لا قوة واحدة.
إنه مشهد يعاد تشكيله ببطء، حيث تتقدم السياسة على القوة، ويتراجع اليقين أمام واقع جديد: العالم لم يعد أحادي القطب، والشرق الأوسط لم يعد قابلاً للسيطرة بقرار من مركز واحد، بل بصياغة مشتركة بين قوى تتنافس بقدر ما تتعاون.
كتبت وقرأت وحللت واستنتجت ماةحاد به قلمي..من منطق عقلاني تحليلي واقعي ومنطقي.. وان كنت مخطئا فقوموني..
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency