خيامُ الأملِ وكلمةُ السِّرِّ في مكافحةِ الجريمةِ: كيفَ تتحوَّلُ الخيمةُ إلى ورشةٍ لإعادةِ بناءِ المجتمعِ
خيامُ الأملِ وكلمةُ السِّرِّ في مكافحةِ الجريمةِ:
كيفَ تتحوَّلُ الخيمةُ إلى ورشةٍ لإعادةِ بناءِ المجتمعِ
د. كامل ريان
رئيس مركز أمان
في ظلِّ تصاعُدِ الجريمةِ والعنفِ في المجتمعِ العربيِّ، برزتْ في الآونةِ الأخيرةِ مبادراتُ إقامةِ خيامِ اعتصامٍ في عددٍ من البلداتِ، كتعبيرٍ عن رفضٍ شعبيٍّ واسعٍ لحالةِ النزيفِ المستمرِّ. هذهِ الخيامُ ليستْ مجرَّدَ فعلٍ احتجاجيٍّ عابرٍ، بل تعكسُ حالةَ وعيٍ جماعيٍّ بأنَّ الصمتَ لم يعدْ خيارًا، وأنَّ تركَ الساحةِ للفوضى يعني القبولَ الضمنيَّ باستمرارِها.
إقامةُ خيمةِ اعتصامٍ خطوةٌ مباركةٌ من حيثُ المبدأِ، لأنَّها تُعيدُ طرحَ القضيةِ على الرأيِ العامِّ، وتجمعُ شرائحَ المجتمعِ المختلفةِ في مساحةٍ واحدةٍ: مسؤولين منتخبين، مؤسساتٍ مدنيةً، رجالَ دينٍ، رجالَ إصلاحٍ، مهنيين، شبابًا ونساءً. هذا اللقاءُ النادرُ بحدِّ ذاتِه قيمةٌ مضافةٌ، لأنَّه يكسرُ العزلةَ بين المكوِّناتِ، ويُعيدُ تذكيرَ الجميعِ بأنَّ المعركةَ ضدَّ الجريمةِ ليست شأنًا أمنيًّا فقط، بل قضيةٌ مجتمعيةٌ شاملةٌ.
لكنَّ قيمةَ هذهِ الخيامِ لا تُقاسُ بعددِ الكلماتِ التي تُلقى فيها، ولا بعددِ الصورِ التي تُلتقطُ تحت سقفِها، بل بقدرتِها على إنتاجِ مخرجاتٍ عمليةٍ. الخيمةُ التي لا تتحوَّلُ إلى مساحةِ تكليفٍ ومسؤوليةٍ، قد تتحوَّلُ – من دونِ قصدٍ – إلى محطةٍ خطابيةٍ تنتهي بانتهاءِ الفعاليةِ.
المطلوبُ أن تكونَ كلمةُ السِّرِّ في كلِّ خيمةٍ: «التكليفُ». ماذا نُكلِّفُ أنفسَنا كأفرادٍ؟ ماذا نُكلِّفُ سلطاتِنا المحليةَ؟ ماذا نُكلِّفُ المؤسساتِ الدينيةَ والتربويةَ؟ ماذا نُكلِّفُ رجالَ الأعمالِ، والمحامينَ، والأطباءَ، والعمالَ، وكلَّ من يمرُّ من هناك؟ كلُّ حضورٍ يجبُ أن يخرجَ بمهمَّةٍ واضحةٍ، محددةٍ بزمنٍ وآليةِ متابعةٍ، حتى لا يبقى التضامنُ عاطفةً مؤقتةً.
من هنا يمكنُ أن تتحوَّلَ الخيامُ إلى غرفِ عملياتٍ مجتمعيةٍ. يمكنُ أن تُطلقَ مسحًا شاملًا للشبابِ الذين لا يعملونَ ولا يتعلَّمونَ في كلِّ بلدةٍ، وأن تضعَ خطةً لاحتوائِهم وتأهيلِهم. يمكنُ أن تُبادرَ إلى تنظيمِ الأحياءِ حارةً حارةً عبرَ لجانِ حيٍّ معروفةِ الأسماءِ والصلاحياتِ، تُعيدُ بناءَ شبكةِ الأمانِ الاجتماعيِّ. يمكنُ أن تُنشِئَ آليةً لرصدِ الخصوماتِ القابلةِ للانفجارِ، والتدخلِ المبكرِ عبرَ لجانِ إصلاحٍ فاعلةٍ قبلَ أن تتحوَّلَ الخلافاتُ إلى مآسٍ.
كما يمكنُ للخيامِ أن تكونَ منصةً لعرضِ قصصِ النجاحِ في المجتمعِ، وتسليطِ الضوءِ على النماذجِ المضيئةِ التي تُثبتُ أنَّ هذا المجتمعَ ليس بيئةَ عنفٍ، بل بيئةَ قيمٍ وتكافلٍ وعطاءٍ. استعادةُ الثقةِ بالذاتِ الجماعيةِ شرطٌ أساسيٌّ للخروجِ من دائرةِ الإحباطِ.
إنَّ التحديَ الحقيقيَّ ليس في إقامةِ الخيمةِ، بل في ما بعدَ الخيمةِ. هل سنحوِّلُها إلى خليةِ نحلٍ تُنتجُ مبادراتٍ متراكمةً، أم نكتفي بلحظةِ تضامنٍ عابرةٍ؟ هل ستكونُ بوابةً لتنظيمِ المجتمعِ من الداخلِ، أم محطةً لالتقاطِ الأنفاسِ قبلَ العودةِ إلى الفوضى؟
خيامُ الاعتصامِ يمكنُ أن تكونَ بذورَ أملٍ حقيقيةً، إذا أُحسنَ استثمارُها. يمكنُ أن تتحوَّلَ إلى ملتقى للتفكيرِ والعملِ معًا، وإلى مساحةٍ تُعيدُ تعريفَ المسؤوليةِ الجماعيةِ، حيثُ يُصبحُ كلُّ فردٍ شريكًا في مواجهةِ المستنقعِ، لا مجرَّدَ متفرِّجٍ عليه.
زرعُ الأملِ لا يكونُ بالكلماتِ، بل بالفعلِ المنظَّمِ، والخيمةُ إن وُضِعَتْ في مسارٍ صحيحٍ قد تكونُ بدايةَ طريقٍ طويلٍ نحوَ مجتمعٍ آمنٍ، متماسكٍ، وقادرٍ على حمايةِ نفسه بنفسهِ.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency