في قرانا و بلداتنا العربية في البلاد يعيش المسلمون والمسيحيون والدروز جنبا إلى جنب، يتشاركون بالأرض واللغة والتاريخ، بل وكثيرا من العادات والتقاليد. ومع ذلك، يبرز واقع مؤلم يتمثل في انتشار جرائم القتل والشجارات الدامية في التجمعات المسلمة مقارنة بغيرها. هذا الواقع يفرض علينا مواجهة السؤال بشجاعة: لماذا يحدث ذلك عند المسلمين ولا يحدث عند الطوائف الاخرى ؟ وأين يكمن الخلل؟
أكدنا سابقا أن المشكلة ليست في الدين ذاته، فالإسلام دين يحرّم القتل ويعتبره من أكبر الكبائر. كما أن الحديث عن فروقات جينية بين الطوائف هو طرح غير علمي، لأن أبناء المجتمع الواحد ينحدرون من أصول متشابهة. لكن يبقى السؤال: ما الذي يفسر هذا التفاوت؟
أولا: دور المرجعيات الدينية والاجتماعية
من الملاحظ أن لدى الطائفة الدرزية إطارا ديننا واجتماعيا منظما يتمثل في المرجعيات الروحية المعروفة، والتي تحظى باحترام واسع وتملك تأثيرا مباشرا على الناس. هذه المرجعية تتدخل في حل النزاعات قبل أن تتفاقم، وتفرض نوعا من الانضباط الاجتماعي القائم على الطاعة والالتزام ومن لا ينصاع وينفذ أوامر ونهي القيادة الروحية ويفرض عليه الحرمان وينبذ كالبعير الأجرب.
كذلك لدى المسيحيين دور واضح للكنيسة، حيث يقوم رجال الدين والمؤسسات الكنسية بدور الوسيط والمصلح الاجتماعي، وغالبا ما يتم احتواء الخلافات داخل إطار مؤسساتي منظم يمنع انزلاقها إلى العنف.
في المقابل، يعاني المجتمع المسلم في كثير من الأحيان من غياب مرجعية موحدة ذات تأثير شامل. تعدد التيارات والانقسامات، وضعف تأثير القيادات المحلية أحيانا، يجعل الخلافات العائلية أو الفردية تتفاقم دون وجود جهة حاسمة قادرة على فرض حلول ملزمة أو سريعة.
ثانيا: انتشار السلاح وضعف الردع
لا يمكن تجاهل حقيقة أن السلاح غير المرخص منتشر بشكل واسع في بعض التجمعات المسلمة. ومع وجود توترات عائلية أو نزاعات على أمور قد تكون بسيطة، يتحول الخلاف بسرعة إلى مأساة بسبب توفر أداة القتل.
إضافة إلى ذلك، عندما يشعر الناس أن القانون لا يُطبق بحزم، أو أن المجرم قد يفلت من العقاب، فإن ذلك يضعف الردع العام ويشجع على التهور. الردع ليس مجرد عقوبة، بل هو رسالة واضحة بأن المجتمع لا يتسامح مع سفك الدماء.
التربية الأسرية والثقافة
تبقى التربية عنصرا أساسيا. إذا نشأ الطفل في بيئة تُحل فيها الخلافات بالصوت المرتفع أو بالتهديد، فإن هذا النمط يصبح طبيعيا في وعيه. أما إذا تربى على الحوار واحترام القانون وضبط النفس، فسيكون أكثر ميلًا للحلول السلمية.
كما أن بعض المفاهيم الثقافية الخاطئة – مثل المبالغة في مفهوم "الرجولة" أو ربط الكرامة بالانتقام – تساهم في تأجيج النزاعات بدل تهدئتها. هذه مفاهيم لا علاقة لها بالدين، بل هي تراكمات اجتماعية من الفترة الجاهلية تحتاج إلى مراجعة جريئة.
وأخيرا وليس آخرا , المشكلة ليست في الدين الإسلامي ، وليست في الجينات، بل في التربية الاسرية والمنظومة الاجتماعية التي تحتاج إلى إصلاح عميق: مرجعية قوية تضبط الخلافات، تربية أسرية سليمة وزرع القيم ، قانون يُطبق بعدل وحزم، وتجفيف منابع السلاح والمخدرات.
طرح السؤال لا يعني جلد الذات، بل هو خطوة أولى نحو العلاج. مجتمعنا قادر على التغيير إذا واجه الحقيقة بشجاعة، وتحمّل كل طرف مسؤوليته. الدم الذي يُسفك هو دم أبنائنا، وأمن مجتمعنا لا يبنيه إلا وعينا وإرادتنا المشتركة.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency