لقد أصبحت الجرائم، سواء كانت فردية أو منظّمة، والفوضى الاجتماعية والأخلاقية التي يرزح تحت وطأتها أهلنا في الجليل والمثلث والنقب، للأسف، جزءاً من واقعنا المأساوي. ينبغي علينا أن نعلنها بصوت عالٍ وواضح أن هذه الحالة البائسة، وما يرافقها من قتل متواصل، لم تصل بعد إلى ذروتها المخيفة. إننا نقترب تدريجياً من أعداد من القتلى في السنة لم يكن أحد قادراً على تصورها في الآونة الأخيرة، وسيصبح قتل ٣-٤ أشخاص يومياً أمراً عادياً نتخطاه دون اكتراث. نغمر أنفسنا في دعمٍ عاطفي ونصرخ عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، نبكي ونتفوه بكلمات السخط، لكن القتل سيستمر دون هوادة.
سوف يستمر مسلسل القتل، وستغمر الفوضى كافة جوانب حياتنا، إذ لا تزال الجذور الأساسية لهذه الأحداث المروعة قائمة. إن دعم الدولة لهذا الإجرام المنظم كأداة للهيمنة على الأقلية الفلسطينية يهدف إلى كبح طموحاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما يتمثل السبب الآخر في داء العنجهية والجشع الذي تسلل إلى نفوسنا جميعاً. لقد تحوّلنا إلى عبيد لهذه العنجهية القاتلة، وأصبحنا أدوات لخدمة جشعنا الذي لا يعرف حدوداً. لقد أضحت ضوابطنا الاجتماعية والأخلاقية في طي النسيان، وما من قوى خارجية جاءت لتسقطها، بل نحن من خذلناها بيدينا، بتربيتنا، وبأفعالنا، وكذبنا ودجلنا، وفي مدارسنا وجوامعنا، اغتيلت قيمنا. نحن الذين أجهزنا عليها بتربية مادية أنانية، فصرنا نربي باشوات وأمراء عوضا عن أن نُنمي أولاداً وبناتٍ صالحين متواضعين، محبين للسلام، للوطن، ولتراثنا. لقد أوجدنا وحوش المستقبل، ثم نبكي على ما آلت إليه أوضاعنا. صرنا دجالين على ذواتنا، وعلى ذاكرتنا، وعلى واقعنا.
ستتلاعب الدولة ومؤسساتها بعقول العديد ممن يزعمون أنهم سياسيون أو وجهاء أو رجال دين أو مؤثرون، حيث يقدمون لهم تبريرات واهية عن عدم قدرتهم على السيطرة على الأوضاع، ويعدونهم بوعود كاذبة بتحقيق الاستقرار قريباً، كما اعتدنا ذلك منذ أكثر من سبعين عاماً. ليس الأمر ناتجاً عن كذبهم، بل لأنهم محتلون غاصبون، وما يمارسونه هو استراتيجيتهم الحالية للهيمنة علينا، لا أكثر ولا أقل. سيتحركون بجدية فقط عندما تصل شبح القتل والسرقة والسطو إلى عقر دارهم، ويصبح الوضع الكارثي واقعاً يومياً كما هو الحال لدينا. عندها فقط سيشرعون في التحرك، وحتى ذلك الحين، ستظل مدننا وقرانا وبيوتنا وأسرارنا تعاني الخراب.
نحن كأفراد ومجتمعات، نتحمّل المسؤولية الكبرى عن هذا الواقع المؤلم؛ لأننا خدعنا عقولنا. ادعى بعضنا أن بناء الجوامع واستعراض تديننا من خلال المظاهر والملابس سيساهم في إصلاح الأمور. ومع ازدياد عدد الجوامع وتعمق تديننا، شهدنا أيضًا تزايد تبرعات العناصر الإجرامية لبناء تلك الجوامع، وتزيينها بأعلامٍ يعرفها الجميع، بينما زادت الجرائم، وانتشرت ظاهرة القتل. تضاعف تديننا، في حين تراجع انتماؤنا وحبنا للوطن؛ فقد زادت مظاهر التدين، ولكن تلاشت مشاعر الخير وحب العمل الخيري. أصبح تديننا أكثر وضوحًا، بينما انزوت أخلاقنا؛ لنصبح خائفين نلجأ إلى الصلاة والصوم والشعائر لنُحِيد أنظارنا عن حقيقة أوضاعنا الداخلية. لقد تسربت العنجهيّة إلى تديننا، وأصبحت الأسر تتنافس في بناء أكبر جامع، وفي إظهار أكبر علامات التدين بين أفرادها، بينما لا أحد يسأل عمن لا يزال متمسكًا بأخلاقه.
لقد زعم بعضنا أن جهلنا وانخفاض مستوى تعليمنا هما السبب وراء انهيارنا في المجتمع. رغم ازدياد عدد شهاداتنا وتزيننا بها مكاتبنا وبيوتنا، إلا أن حبنا للوطن قد تلاشى ببطء. وعندما ارتفعت مؤهلاتنا، ابتعدنا عن عاداتنا وتقاليدنا وأهلنا، لنصبح مجرد ألقاب خالية من المعاني. ازداد تحصيلنا العلمي، ولكن انخفضت ثقافتنا، فأصبح الأكاديميون الذين يُفترض أن يكونوا مثقفين، يفتقرون إلى الثقافة والانتماء. سيطر الجشع على كل شيء، وترك المجتمع يتخبط في الفوضى. إن تحصيلنا العلمي أصبح وسيلة للتفوق المادي على بعضنا البعض، عوضا عن أن يُستخدم لرفع مستوانا الأخلاقي والعلمي والثقافي. في الوقت الذي زاد فيه التعليم، زاد الإجرام والانفلات.
هذا السرطان الذي أغرقت به قلوبنا، والذي رعت تطوره مؤسسات الدولة، قد غدا يتحكم بنا بالكامل. لقد علمنا أبناءنا أن الغش هو السبيل للحصول على نتائج امتحانات مبهرة، وأن الرشوة للبروفسور تمنحك لقب طبيب، وأن المال يمكنه شراء مكانة اجتماعية رفيعة. أصبحت السيارة الفخمة والبيت الكبير، حتى وإن اُقْتُنِيَا بالقروض من البنك، أو من السوق السوداء، بمثابة سلالم للصعود الاجتماعي، لتحل محل الأخلاق والانتماء وعمل الخير. صرنا ننظر إلى الترهات، ونثني عليها ونرفعها إلى مقام عالٍ، دون أن نسأل أصحابها: من أين لك هذا؟ يجلس الأب بفخر أمام سيارة ابنه البالغ من العمر 25 عامًا، كأنه قيصر روما، دون أن يسأل ابنه الذي لم يعمل سوى سنتين أو ثلاث: من أين لك هذا؟ أصبحنا عبيدًا للمال والخداع... عبيدًا للمظاهر في منازلنا، وفي رحلاتنا، وفي ملابسنا، وحتى في تديننا. نحن ممثلون فاشلون في مسرحيات حياتنا، التي لا تعدو كونها تافهة كعقول الكثيرين منا.
زادت مظاهر التديّن لدينا، وازداد تحصيلنا العلمي، ولكننا تراجعنا بأخلاقنا عشرات السنين إلى الوراء. عادت الحمائل والعائلات بأسوأ تجلياتها. تشكل العائلة والحمولة جزءاً جوهرياً من نسيج مجتمعنا، وكانت تشكل ضابطاً اجتماعياً وأخلاقياً رائعاً في الأزمنة الغابرة... حينما كان القائمون على العائلة والحمولة يتمتعون بالمسؤولية والالتزام والتواضع والأخلاق الرفيعة. أما في يومنا هذا، فإن أصحاب المظاهر الفارغة والأخلاق السلبية هم من يترأسون مجالس العائلات التي عادت لتطل علينا في أسوأ صورها، التي لم يعرفها تاريخنا من قبل. هؤلاء "المخلوقات" الذين يطلقون على أنفسهم لقب قيادات، هم في كثير من الأحيان سبب العنجهية والدمار والقتل... وأنت شهيد يومياً على ذلك.
إن التعافي من هذا المرض الخبيث ليس محض خيال، بل هو ممكن، لكنه يتطلب أولاً وقت طويل وثانياً مراجعة جذرية من كل فرد، وكل أسرة، وكل جماعة، وكل أمة لتقييم واقعنا وحالنا... هذا الأمر يكون متاحاً فقط إذا وضعنا حدًا لجشع أبنائنا وجشع عقولنا، وإذا كبحنا جماح عنجهيتنا، وأصبحنا صادقين مع أنفسنا ومع من نحملهم في قلوبنا... أن الأوان لنطلق أسماء الأمور على مسمياتها، ولنقتلع الفاسدين من محيطنا، حتى وإن كانوا من أقربائنا، أو من عائلتنا... السرطان لا يعترف بالقرابة. يجب اجتثاثه في البداية، ثم تبني استراتيجيات ملاحقته بالعلاجات الكيميائية والأدوية للقضاء عليه، وليس باحتضانه ورعايته والتفاخر به كما نفعل جميعاً مع المجرمين بين أبنائنا وأقربائنا.
إذا أعدنا أنفسنا إلى صوابنا، واستعدنا مصادر قوتنا، وتوحدنا مجددا، فسوف نتمكن من التغلب على السرطان. علينا أن نعود إلى تواضعنا، وإلى احترام بعضنا البعض. علموا أبناءكم أن التواضع هو عفة الروح ومصدر القوة. علموهم أن الشهادة لا تصنع من الإنسان إنسانًا، بل الأخلاق والانتماء هما ما يجعلك محترمًا. علموا أطفالكم أن الوطن ليس مجرد قطعة من الأرض، بل هو كرامة وجذور، وهو الأمانة التي تسكن في قلوبنا. علموا أولادكم أن المظاهر ليست سوى أوهام عابرة، وأن حب الآخرين هو كنز لا يقدر بثمن. علموهم أن الإيمان يتمثل في فعل الخير أولاً، وحب الوطن ثانياً. علموا أبناءكم أن المال هو وسيلة وليست غاية. علموهم أن مؤسسات الدولة ليست المنقذ، بل هي سلطة هيمنة. علموهم أن احترام الآخر، وحيز الآخر، وكرامة الآخر هي الدين الحقيقي.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency