بعد خمسة عشر شهراً من عودته إلى البيت الأبيض، يقف دونالد ترامب أمام مشهد دولي أكثر تعقيداً مما وعد به ناخبيه. فالرجل الذي قدّم نفسه بوصفه صانع صفقات استثنائياً وقادراً على إنهاء الحروب خلال أيام، يجد اليوم أن الملفات الكبرى التي تواجه ادارته لا تُدار بالشعارات، بل بتوازنات دقيقة وحدود قوة لا يمكن تجاوزها دون أثمان باهظة.
فعلى صعيد الملف الداخلي في الولايات المتحدة نجد تدهور داخليا اقتصاديا واسع النطاق فالتضخم المالي الذي هاجم فيه إدارة بايدن واقنع الأمريكيين ان يصوتوا له قد وصلت الى اعلى المستويات وأصبحت أمريكا اليوم من اعلى نسب مستوى الحياة غلاء إضافة الى التضخم المالي وفرض الرسوم الجمركية على جميع دول العالم ايس فقط سياسة اقتصادية أمريكية لإدارة ترامب بل مهزلة حقيقية ورطت الولايات المتحدة بخلافات جدية مع العديد من دول العالم فاذا غضب مثلا من الرئيس الفرنسي مكرون فقد قام بفرض تعريفات جمركية وصلت الى 15% ثم وصلت بعدها الى اكث من 150% كعقوبات على فرنسا لتجتاح بنفس الطريقة عشرات الدول التي اغضبته واغضبت سياسته وقد وصل الامر في العشرين من فبراير 2026 الى ان تقوم المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة بأعضائها الجمهوريين والديموقراطيين على حدا سواء بان تلغي قرار فرض الرسوم الجمركية بنسبة 10% التي فرضها على جميع دول العالم الامر الذي اغضبه كثيرا وقام بفرض امر رئاسي يلتف على قرار المحكمة العليا وقد وصلت شعبيته فيخضم هذه الأيام الى اقل من 30% من الشعب الأمريكي.
لم يكن المشهد أقل تعقيداً. الانقسام السياسي العميق، والضغوط الاقتصادية، والملفات القانونية العالقة، كلها تحدّ من قدرة الرئيس على مناورة بحرية. فالسياسة الخارجية لا تنفصل عن الداخل؛ وكل إخفاق خارجي يرتد سريعاً إلى الساحة الداخلية الأمريكية.
اما على الصعيد الخارجي ففي الملف الأوكراني، لم ينجح ترامب في فرض تسوية سريعة للحرب بين روسيا واوكرانيا بل إن التوتر مع الحلفاء الأوروبيين ازداد، خاصة داخل ناتو، حيث طالب ترامب الدول الأعضاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم العسكري لمواجهة روسيا، ملوّحاً بتقليص الالتزام الأمريكي.
ان هذا الضغط دفع دولاً مثل المانيا فرنسا بريطانيا فنلندا والنرويج إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، ليس فقط استجابة لواشنطن، بل خشية تراجع المظلة الأمريكية الدفاعية عن هذه الدول نفسها ولم يجد على الرغم من وعوده أي طريقة لحل المسألة الأوكرانية وإقناع روسيا بالانسحاب من المناطق المحتلة، الامر الذي يهدد على المدى العيد انهيار الناتو والاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية فاعلة.
وفي الإطار الأوروبي ايضا، فتح ترامب جبهة خلاف غير مسبوقة مع هذه الدول، متبنياً خطاباً اقتصادياً صدامياً. كما أثار الجدل بتصريحاته حول رغبته في السيطرة على جزيرة غرين لاند المحاذية للولايات المتحدة، مما تسبب بتوتر مع الدانيمارك صاحبت السيادة على ان هذه الجزيرة هذه السياسات أضعفت الثقة المتبادلة وأعادت طرح سؤال جوهري: هل لا تزال واشنطن تقود النظام الدولي القائم أم أنها تعمل على تدميره وتغيير معالمه؟
وحتى في الجوار القريب، لم تكن العلاقة أكثر استقراراً. بل ان التوتر مع كندا، واللغة المتشددة تجاه بعض دول أمريكا اللاتينية، خلقا انطباعاً بأن الإدارة الحالية تفضل سياسة الضغط القصوى والعداء المتشدد دون حساب كافٍ لتداعياته الدبلوماسية، وفنزويلا والاعتداء السافر عليها هو أكبر دليل على ذلك.
أما في الشرق الأوسط، فالمشهد أكثر تعقيداً. الحرب في قطاع غزة شكّلت نقطة تحول أخلاقية وسياسية عالمية. وبينما ركّز ترامب على ملف الأسرى الإسرائيليين ودعم حكومة إسرائيل في خطابه بافتتاح مجلس السلام العالمي في واشنطن في 19/2/2026، بدا متجاهلاً الحجم الإنساني الكارثي للخسائر الفلسطينية. ان هذا الانحياز أضعف صورته كوسيط محتمل، ووسّع الفجوة بين واشنطن والعديد من العواصم العربية والإسلامية.
وعل صعيد التصعيد مع إيران فان هذا الملف يمثل بدوره اختباراً حقيقياً لحدود القوة الأمريكية. فبين خطاب متشدد يدعو لتفكيك النظام، وحديث لاحق عن “ضربة محدودة”، يظهر التردد بوضوح. فالضربة المحدودة إن حدثت تعكس إدراكاً عميقاً بأن حرباً شاملة قد تتحول إلى استنزاف طويل يهدد القواعد الأمريكية في الخليج ويضع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة كالسعودية والامارات قطر البحرين والاردن أمام مخاطر مباشرة. وهنا تتجلى حدود الردع فالقدرة على الضربة موجودة، لكن القدرة على تحمل النتائج ليست مضمونة.
السؤال المركزي اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال قوة عظمى، بل كيف تستخدم هذه القوة. فالقوة غير المنضبطة تتحول إلى عبء، والتهديد المستمر يفقد تأثيره عندما لا يتبعه إنجاز ملموس. فتجربة الأشهر الخمسة عشر الماضية تُظهر أن تعدد الجبهات لا يعني بالضرورة تعدد النجاحات، وأن إدارة ملفات متشابكة من أوكرانيا إلى غزة، ومن إيران إلى أوروبا، تتطلب أكثر من خطاب حاد أو قرارات مفاجئة.
حدود القوة ليست اعترافاً بالضعف، بل فهماً لميزان الواقع. وإذا لم تُترجم السياسة الأمريكية إلى استراتيجيات قابلة للتحقيق، فإن ما يبدو استعراضاً للقوة قد يتحول إلى كشفٍ لهشاشتها. في عالم متعدد الأقطاب، لم تعد الإرادة وحدها تكفي فالحسابات الدقيقة هي الفيصل، وإلا فإن كل “ضربة محدودة” قد تفتح باباً لصراع مفتوح لا يمكن إغلاقه بسهول
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency