ما هو وضع القصة القصيرة اليوم.. هذه القصة التي ادخلت لكثيرين من كتابها إلى ديوان الخلود الادبي الإنساني في العديد من اللغات، وسجلت لهم بالتالي انجازات معروفة لدى القراء المتابعين في شتى بقاع العالم، هؤلاء القراء الذين يعرفون تمام المعرفة هذه القصة وإعلامها المجلين امثال الأمريكي ادجار الان بو والفرنسي جي دي موباسان وقبل هذين وبعدهما الروسي المبرز انطون تشيخوف. أما في أدبنا العربي فإن هذا القارئ يعرف العديد من أصحاب الأسماء التي سطرت أعظم القصص وافضل الإبداعات القصصية لدى كتاب أذكر منهم المصري يحيى حقي صاحب البوسطجي وقنديل ام هاشم. السوري زكريا تامر صاحب صهيل الجواد الابيض. وقبل هذا وذاك المصري المبرز يوسف ادريس صاحب المجموعة القصصية المميزة بيت من لحم.
حقا ما هو وضع هذا النوع الأدبي الذي استولى على اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، فخصص له الناقد الانجليزي فرانك اوكونور واحدا من الفضل المؤلفات وأقصد به كتابه المميز الصوت المنفرد. كما خصص له العديد من النقاد والدارسين في العديد من اللغات، الوفير من الدراسات والابحاث، اكتفي لوفرتها بذكر بعض منها مثل كتاب في القصة العربية المصرية للناقد البارز شكري محمد عياد وقبله الكتاب المرجع عن فن القصة القصيرة للدكتور رشاد رشيد، ولا بأس من أن نشير إلى الكتاب الجميل عن فن القصة للفلسطيني/ السوري محمد يوسف نجم. فهو كتاب جيد جدا، وتم تدريسه في العديد من الجامعات.... باستحقاق وجدارة.
بالعودة إلى السؤال المطروح انفا، نقول ضمن محاولة محبة للإجابة عليه، أنه لا شك في أن هذا الفن الجميل، عانى منذ فترة وما زال يعاني، الأمر الذي دفع أكثر من ناقد ومتخصص لنعي القصة القصيرة متسائلا هل ماتت هذه القصة؟ بل انه وجد هناك من نعى موت القصة وفق الطريقة الكتابية التشيخوفية، نسبة إلى الروسي انطون تشيخوف الآنف ذكره. إن ما دفع هؤلاء المنذرين بوفاة القصة القصيرة بهذا الشكل أو ذاك، أسسوا كما تبدى من كتاباتهم وكما قال الواقع ذاته، رأيهم هذا على عدة أسباب نحاول فيما يلي الإشارة إلى أبرزها وسوف نتبعها برأينا في هذه الإشكالية الأدبية التي الحت وما زالت، على الكثيرين لا سيما من أمثالي أنا المفتون بالقصة القصيرة وفي كتابتها أيضا.
* يمكننا الإشارة بكثير من الثقة, أن انصراف جل الكتاب ممن يعرفون وممن لا يعرفون، الى تيار كتابة الرواية، هو واحد من أبرز الأسباب لوضع القصة القصيرة ضمن خانة التساؤلات عن موتها، أو اضمحلال وضعها على الاقل، وربما الادق، ساهم تعزيز هذا السبب واشتداد الحاحه في انصرف العديد من كتاب القصة القصيرة عن كتابتها والتحاقهم بركب كاتبيها، وكأنما القصة القصيرة هي الصفوف الدنيا في مدرسة الكتابة والرواية هي الصفوف العليا، كما عبر أحد النقاد المهتمين بالأمر، وقد تعزز هذا السبب أكثر عندما انضم العديد من الشعراء إلى كتاب الرواية متنازلين بطيب خاطر عن مواصلة دروب الكتابة الشعرية الرائعة.
* سبب آخر ساهم في التأثير على موقع القصة القصيرة في ديوان النثر العربي تحديدا، هو ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، هذه الوسائل التي فتحت المجال واسعا أمام من يعرف ومن لا يعرف على حد سواء، لأن يكتبوا القصة القصيرة جدا، إضافة إلى القصة الومضة وما إلى هذه الأنواع القصصية المتسمة بالقصر. لقد اثر هذا كله على راهن القصة القصيرة، فبتنا نستمع إلى اراء كان من المفترض أن تكون جادة تزعم أنها باتت تنصرف عن قراءة ألمادة أو القصة القصيرة بالأحرى لطولها!!. وقد أثار حفيظتي أن هناك من انجرف في تيار كتابة القصة الومضة، معتقدا أن اجتزاءه مقطعا من قصة قصيرة سبق وقام بنشرها، يمكن اعتباره قصة قصيرة جدا او ومضة، سمها ما شئت، لكن لا تظلم القصة القصيرة أكثر د، ولا تضف إلى عاذليها المزيد.
* هناك سبب اخر تسبب في وضع القصة القصيرة في خانة التساؤلات والكتابات المنذرة، وحتى الناعية، هو تلك الفوضى العامة الطامة التي لحقت بكتابة القصة القصير، وقد تمثلت هذه الفوضى في انضمام العشرات من الكتاب، بين قوسين، إلى ركب كتاب القصة القصيرة، خاصة في فترات ازدهارها، السابقة لهيمنة الرواية وتحلب الأرياق، بحق وبدون حق على كتاباتها والانضمام إلى كتابها باية حال ودون الالتفات إلى أهمية التمكن من الصنعة وقبلها توفر الموهبة التي لا يمكن لأي من الكتاب تقديم ما يمكث ويبقى في الأرض دونها. هكذا ظهر كتاب غير متمكنين من كتابة القصة القصيرة، كتبوا ونشروا الوفير من الحكايات، ومعروف أنه يوجد هناك فارق كبير بين القصة القصيرة والحكاية، ففي حين يفترض أن تمتلك القصة الناجحة حبكة جيدة، وتعني الحبكة في أبسط مفاهيمها التطور المنطقي والعمودي للأحداث القصصية، فإن الحكاية تتنازل بشكل عام عن الحبكة، فتتحول بالتالي إلى سردية قصصية بفتح القاف، وهذه تعني القصة المحددة بقيمة معينة أو مثال اخلاقي، لا علاقة له بجماليات/ استطيقيات فن القصة القصيرة، وقد تسبب هذا كله بوضع القصة القصيرة، في خانة التساؤلات كما سلف القول.
الان نود الشروع في الاجابة عن السؤال المحوري الذي تبرعنا بإثارته حول وضعية القصة القصيرة وزعم الكثير من الأصوات أنها ماتت أو تلفظ حاليا ومنذ فترة أنفاسها الأخيرة، وما إلى هذه من الاسئلة المطروحة، فنقول إجابة عن سؤال القصة القصيرة والرواية، أن كلا من هذين النوعين الادبيين تعايشا معا وجنبا إلى جنب، عبر المئات الماضيات من السنين وأنه بإمكانهما مواصلة هذا التعايش. أما فيما يتعلق بكينونة القصة القصيرة وموقعها من الرواية، فيمكننا القول إن القصة القصيرة الناجحة تحديدا، لا تقل أهمية عن الرواية الناجحة ايضا، يؤكد هذا قلة القصص القصيرة الجيدة والمستحقة في العديد من اللغات وفي لغتنا العربية تحديدا، فإذا ما كان يكتب حسب تقديرات معروفة، في فترة سابقة في عالمنا العربي خلال الشهر الواحد عدد يتجاوز المئات من القصص القصيرة، فبإمكاننا طرح السؤال عن ذلك العدد القليل جدا مما يبقى من هذا الكم الهائل من الكتابات القصصية القصيرة، ولعلنا لا نبتعد كثيرا اذا ما تساءلنا كم من القصصية التي تنال اعجاب القراء لهذا الكاتب المعروف، حتى من بين اعلام هذه القصة، فإننا سنفاجأ بعددها القليل. فيما يتعلق بما ذكرناه عن الفوضى التي حصلت في كتابة القصة القصيرة وانضمام الارقام المريعة من الكتاب إلى قوائم كتابها منتهجين كتابة الحكايات ومدعين انها قصص قصيرة، وهو ما دفع الكثيرين للانصراف عن قراءة القصة القصيرة، بالضبط كما حدث مع القراء عندما فرضت عليهم نماذج سيئة وغير جديرة مما أطلق عليه قصيدة النثر، نقول إن انصراف الكثير من القراء عن القصة القصيرة للسبب المذكور، لا يعني أن القصة القصيرة في أزمة اولا، وأن مثل هكذا اسباب للتساؤلات عن مصير القصة القصيرة، كانت وسوف تبقى مطروحة، ما دامت هناك فوضى في كتابة هذه القصة، وهذا كله لا يعني بالحتم أن القصة القصيرة تعاني في وضعيتها الراهنة من ازمة، الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن القصة القصيرة بخير، ويكفي أن نشير إلى أن الكاتبة الكندية أليس مونرو، حصلت قبل أعوام على جائزة نوبل الادبية، لقاء عطائها المشهود له في مجال كتابة القصة القصيرة.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency