عبرنَة الأمكنة

حسن عبادي
نُشر: 20/02/26 13:49

نشهد في الآونة الأخيرة معركة كونيّة في زمن العولمة ضدّ اللغة العربيّة ويتوجّب علينا صيانتها وحمايتها.

وُلدت في قرية كفر قرع، في فلسطين المحتلّة، وكانت-منذ الصغر-محاولة شرسة لأسرلة أهلنا وتهويد البلاد، ورغم ذلك تبلور مع الزمن الحسّ القومي العروبيّ لدى جيلنا، بعد أن صمد أهلنا في وجه محاولات الاقتلاع والتهجير إبان النكبة، لإيمانهم بأنّ الحجر في أرضه قنطار، ومن هنا بدأنا بدراسة اللغة العبريّة على أصولها والتمكّن منها، من باب النديّة وصراع البقاء لنتميّز بها مع الحفاظ على لغة الآباء والأجداد.

نحن، كأقليّة قوميّة نعيش بين أغلبيّة يهوديّة، حافظنا على لغتنا وعروبتنا، رغم حرب التهويد اليوميّة، نقرأ الصحف العبريّة ونتابع الإعلام العبري ووسائل التواصل الاجتماعي ومنها نستمدّ قوّتنا في صراع البقاء اليومي، من باب "اعرف الآخر"؛ فالمعرفة قوّة وسلاح مقاومة فتّاك.

ومن هنا، معركتنا مع اللغة يوميّة؛ حيث تحاول المؤسّسة إعادة قراءة للفلسطيني، وقراءة جديدة بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة، لا، بل تزييفها وتزويرها بما يخدم مصالحهم ونهجهم في بناء التاريخ والتأريخ من جديد. هناك ترجمة مؤسّساتيّة مبرمجة ومؤدلجة، بصورة سلبيّة، أطلقتُ عليها في حينه "ترجمة شباكنِكِت" أي ترجمة مخابراتيّة استخباراتيّة، تحاول تشويه اللغة العربيّة ومحوها، تجييرها وتهويدها، فسرقوا المعالم التاريخيّة والجغرافيّة، سلبوا المكان والزمان، سرقوا الأكلات الشعبيّة واللباس الشعبي، الأغنية والرقصة العربيّة، في محاولة مُمأسَسة للسطو على اللغة، ومن هنا تنبع أهميّة معرفتنا وإلمامنا باللغة العربية كي نقف بالمرصاد، حُماة للغة والديار.

أخذوا بدايةً مصطلحاتنا وأدخلوها للمعجم العبري، مع تحريفها، عبرَنَتها ومحاولة تهويدها، محاولة بائسة منهم ونسبها لهم أبًا عن جد. كم يؤلمني سرقة مأكولاتنا ونسبتها إليهم، مع تغيير حرف هنا وهناك في محاولتهم لصهينتها، من الحمص والفلافل والتبّولة والمجدّرة والمقلوبة، وهذه السنة سرقوا "العرايس".

جاءتني تغريدة نشرتها يوم 27 آب 2019 تحت عنوان "الطنطورة/ نكبة مستمرّة لن تتوقّف إلّا بالعودة"؛ "تجوّلت الكاتبة رضوى عاشور برفقة زوجها الأديب مريد البرغوثي وابنهما الشاعر تميم في شوارع العاصمة البرتغاليّة لشبونة وإذ بهم أمام مطعم "Tantura"؛ ارتعشت جوارحها ودخلته متلهّفة لتناول طعام الغذاء. تفحّصت لائحة الطعام ولفت انتباهها أكلة المقلوبة فتخيّلتها مطبوخة بوصفة الحاجة رقيّة الطنطوريّة، ومن صُنع أيادي الحفيدة رقيّة، ابنة حسن الطنطوريّ وفاطمة اللدّاويّة. طلبت الوجبة بلهفة، وإذ بها تقرأ على "المينيو" أنّ الطنطورة قرية صيّادين على شاطئ البحر "الإسرائيلي" وكانت ميناءً مركزيًا في الشرق الأوسط، فصُعِقت وبدأت تستفرغ.

تبيّن أنّ المطعم بملكيّة صهيونيّة، يروّج لإسرائيل، ينتحل الأكلات الفلسطينيّة من الحمّص إلى المقلوبة وغيرها ويُعبرنُها مزوّرًا التاريخ، لا ذِكر لقرية الطّنطورة التي تمّ اقتلاع أهلها من أرضهم إثر النكبة ليُهجّروا في الشتات، لا ذِكر لأبريائها الذين أُعدِموا في المجزرة على أيدي الغزاة الصهاينة.

 سطوا على أرضنا، مأكولاتنا، ثقافتنا وموروثنا، وها هم يجيّرون الجغرافيا والتاريخ بحِرفيّة... حقًا، إنّها نكبة مستمرّة لن تتوقّف إلّا بالعودة".

تناولت في حينه كتاب "سِرُّ الجملةِ الاسميّة" للكاتب فراس حج محمد فكتبت: "بيّن لنا أنّ الاسم بداية اللغة الإنسانية وكينونة ووجود، وذو تأثير في الحياة الاجتماعية والسياسيّة، وأخذني إلى علاقتنا اليوميّة في الداخل الفلسطيني مع الآخر، فكثيراً ما يتوجّهون لنا بأسماء نمطيّة، محمد و/ أو محمود و/أو أحمد بمحاولة لتحريف الأسماء وتشويشها وحين لفتِ أنظارهم لذلك الأمر فيكون الجواب التلقائي الاستعلائي: "شو بتفرق؟ كلّه نفس الشي". هناك ضرورة وأهميّة للاسم الثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي، كلّ باسمه ورسمه: هذا اسمي وفصلي وأعتز به، ويميّزني، لي جذور وجذور، لي شجرة عائلة ممتدة وليس بلقيط.

وكذلك الأمر محاولة المحتلّ الغاصب تحريف وتهجين أسماء الأمكنة والقرى المهجّرة، وكذلك سرقة أسماء الشوارع والأحياء، والمدن الفلسطينيّة في محاولة لجعلها عبريّة "أصليّة وأصيلة" وبلغت المحاولات ذروتها حين أمرت وزارة المواصلات الإسرائيلية عام 2009 بشطب أسماء البلدات العربية عن الإشارات واللافتات المنصوبة على الطرقات والشوارع الرئيسية واستبدالها بأسماء عبريّة فقط وتحوّلت أم دومانة بين ليلة وضحاها إلى ديمونة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حوّلوا عسقلان إلى أشكِلون، بيسان إلى بيت شآن، صفد إلى تسفات، يافا إلى يافو، عكا إلى عكّو، بئر السبع إلى بئير شيفع، كرم أبو سالم إلى كيرم شالوم، اللد إلى لود، زكريا إلى زخاريا، صفورية إلى تسيبوري، وصرفند إلى تسريفين وغيرها.

وفي حيفا، على سبيل المثال، عملوا على تغيير أسماء الشوارع وإعطائها أسماء عبرية ذات دلالات يهودية أو عسكرية، وعلى سبيل المثال؛ شارع أحمد شوقي تحوّل إلى غوش عتسيون، حسن صار حوسن، عمر المختار تحول إلى رزيئيل، صلاح الدين بات جيبوريم، المأمون تحول إلى أني مأمين وغيرها.

وكذلك الأمر مع القرى المهجّرة التي تم هدمها وعلى أنقاضها أقاموا المستعمرات؛ وعلى سبيل المثال، جبع تحولت إلى جيبع هكرمِل، دالية الروحة تحولت إلى كيبوتس دالية، عين حوض تحولت إلى عين هود، الطيرة تحولت إلى طيرات هكرمِل، عين غزال تحولت إلى عين أيالا، كفرتا تحولت إلى كريات آتا، شفيا تحولت إلى مئير شفيا، الياجور تحولت إلى ياغور.

يمارسون عليها قوّتهم وسيطرتهم، ومحاولة إعادة خلق تلك الأمكنة من جديد، وادّعاء أحقيّتهم التاريخية بها، فتغيير الأسماء يتسبّب بغربة الأشياء عن أهلها، فالصراع على الأسماء ليس صراعاً لغوياً فقط، بل هو صراع حياة ووجود وسيطرة وقوّة، تماماً مثل ظاهرة تحريف أسماء المأكولات الفلسطينيّة، تجييرها ومحاولة السطو عليها و"صهينتها".

 تعرضت أسماء كثيرة لمدن وقرى وشوارع فلسطينية وجبال وأودية فلسطينية للتغيير الممنهج بما يتنافى مع القانون الدولي والإنساني ليشمل حوالي 95 ألف مسمّى، والحبل ع الجرّار. أقيمت لجنة تسميات حكوميّة إسرائيليّة، ولجان تسميات بلديّة محليّة، مما يتماشى مع الصراع على الرواية التاريخية عبر تغيير الاسم المكاني الأصلي ومحاولة تهويده من خلال طمس الاسم الأصلي ومحوه.

محاولات العبرنة الحثيثة من قبل المؤسسة الصهيونيّة تجري على أرض الواقع بطرق التفافيّة مختلفة ومنها تغيير الاسم كليّاً، و/ أو ترجمة الاسم العربي إلى العبرية مع الحفاظ على نفس الأحرف ونطقها بشكل مختلف يؤدي الى معنى آخر غير الذي يعنيه الاسم العربي الأصلي والعمل على إصدار خرائط تحتوي على الاسم الجديد لتذويتها، وكذلك منع تداول الاسم العربي الأصلي في المؤسسات والدوائر الرسميّة.

من هنا جاء الرد عكسيًّا؛ تمسّكنا أكثر وأكثر بلغتنا وتراثنا وجغرافيّتنا وسرديّتنا، عُدنا للغتنا العربيّة الجميلة على أصولها، (وشخصيًا "هجرتُ" الترجمات العبريّة للأدب العالمي ولجأت للترجمات العربيّة، وبدأت أفكّر وأكتب المقالة الأسبوعيّة بالعربيّة، بعد أن كنت أكتبها بالعبريّة) وهناك مبادرات لإعادة تلك الأسماء إلى الذاكرة والوجود وتثبيتها.

[*] تم نشر المقالة بالإسبانية في مجلة dearabia إ (عدد شباط 2026)

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة