من ثقافة السكون إلى ثقافة الحوار

غزال أبو ريا
نُشر: 19/02/26 23:03,  حُتلن: 23:04

في المسافة بين السكون المفروض والحوار الحرّ، يولد الوعي، ويبدأ الإنسان رحلته نحو اكتمال إنسانيته.

على مدار سنوات، قمتُ بتدريس مساق حول ما يُعرف بـ“طريقة الإيداع في التربية” أو “التربية البنكية”، مستندًا إلى أفكار المربي البرازيلي باولو فيريري، كما عرضها في كتابه الشهير تربية المضطهدين. وقد شكّل هذا الطرح مدخلًا عميقًا لفهم العلاقة الجدلية بين التربية والحرية، وبين التعليم والهيمنة.

تقوم طريقة الإيداع على افتراض أن المربي يودِع المعرفة في عقل الطالب كما تُودَع الأموال في البنك. المعلم هو الذي يعرف، والطالب مجرد مستودع للمعلومات. لا حوار، لا مساءلة، ولا تفكير نقدي. ونتيجة لذلك، تتشكل ما يمكن تسميته “ثقافة السكون”، حيث يعتاد الطالب التلقي السلبي، ويصل إلى حالة من العجز، واللامبالاة، وانعدام الثقة بالنفس، والخضوع للسيادة.

ولا تقتصر انعكاسات هذا الأسلوب على الجانب التعليمي فحسب، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية بأكملها. ففي هذا النموذج يكون المعلم هو المركز، بينما يتحول الطالب إلى هامش. المعلم يتكلم والطلاب يستمعون بخنوع؛ المعلم يفكر، والطلاب يُفكَّر لهم. وهكذا يُفصل الإنسان عن عالمه، ويصبح متفرجًا بدل أن يكون مشاركًا فاعلًا في تشكيل واقعه.

في المقابل، تقوم التربية الحوارية على المساواة الإنسانية بين المعلم والطالب. العلاقة هنا ليست علاقة سيادة وخضوع، بل علاقة تفاعل وتكامل. يتبادل الطرفان الأدوار، ويصبح كلٌّ منهما معلمًا ومتعلّمًا في آنٍ واحد. تُثار الأسئلة، ويُشجَّع البحث، وينمو التفكير النقدي. الطالب لا يكون وعاءً يُملأ، بل إنسانًا يمتلك قدرات وإمكانات تُنمّى وتُفعَّل.

يرى فيريري أن التربية رافعة سياسية لتحرير المضطهدين، وأن الثورة التربوية تسبق الثورة السياسية. غير أن القيود ليست خارجية فحسب، بل داخلية أيضًا. فكثيرًا ما يتماثل المضطهد مع مضطهده، ويتبنى صورته عنه، فينشأ شعور بالدونية واحتقار الذات، ويتولد خوف من الحرية. فالتحرر يقتضي تفكيك هذه البنية الداخلية، واستعادة الثقة بالذات والقدرة على الفعل.

إن الوعي شرطٌ ضروري للتحرير، والتحرير لا يكون من أقواس الاضطهاد الخارجية فقط، بل من أقواس الاضطهاد الداخلية التي قد يفرضها الإنسان على نفسه. الوعي يمكّن الإنسان من فهم واقعه، وتحديد أهدافه، والسعي نحو تغيير يفضي إلى إنسانية أكثر اكتمالًا. ولا يتم هذا التغيير إلا بروح نقدية أساسها الحوار.

التربية ليست عملية سيطرة أو ترويض أو تدجين، بل هي عملية تحررية بامتياز. في ثقافة السكون تلوذ الجماهير بالصمت فيذوي كيانها، أما في ثقافة الحوار فيولد الوعي، ويبدأ التغيير.

إنه التثقيف من أجل الحرية، لا التثقيف من أجل الاستبداد.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة