الأقصى ميدانكم… ورمضان في الأقصى غير

ساهر غزاوي 
نُشر: 19/02/26 22:07

ها قد جاءنا شهر رمضان الفضيل، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، يحمل معه معاني التجدد الروحي واستعادة المعنى الإيماني لروح الجماعة والأمة، حيث تتعاظم فيه قيمة العبادة وتتسع فيه دائرة الخير، وتلتقي فيه بركة الزمان مع بركة المكان. وفي هذا الشهر المبارك تتجه القلوب إلى المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بوصفه ليس مجرد مكان للعبادة، بل رمزًا دينيًا وعقائديًا وحضاريًا وتاريخيًا حاضرًا في وجدان المسلمين، وميدانًا حيًا تتجسد فيه معاني الرباط، والثبات، والارتباط بالأرض، والهوية.
وإذا كنا نتحدث عن الميادين، فإن المسجد الأقصى كان ولا يزال الميدان الأول للفلسطينيين في الداخل، حيث برز دورهم عبر عقود طويلة، إذ شكل حضورهم الدائم في المسجد أحد أبرز عوامل الحفاظ على عمارته وإحيائه، خاصة في المراحل التي اشتدت فيها القيود ومحاولات تفريغه من رواده. فقد أدّوا دورًا إحيائيًا تاريخيًا في رفد المسجد الأقصى بالمصلين، وتعزيز الحضور الديني والاجتماعي فيه، ودعم الاقتصاد المقدسي من خلال شد الرحال الجماعي والفردي، والمواظبة على الصلاة والرباط والاعتكاف، بما أسهم في إبقاء الأقصى حاضرًا في الوعي الجمعي، لا بوصفه قضية موسمية، بل كجزء من الحياة اليومية والواجب الديني والوطني المستمر. 
واليوم، ومع حلول شهر رمضان، تتجدد هذه المسؤولية التاريخية، لا باعتبارها واجبًا مجردًا، بل شرفًا ارتبط به الفلسطينيون في هذه البلاد عبر مسيرة طويلة من التواصل مع القدس والأقصى. فاجتماع بركة الزمان في رمضان مع بركة المكان في المسجد الأقصى يضاعف المعنى والأجر، ويمنح الحضور فيه بعدًا يتجاوز العبادة الفردية إلى فعل جماعي يحفظ المكان ويصون هويته. ولذلك، فإن المسلمين والفلسطينيين الذين أكرمهم الله بمجاورة المسجد الأقصى لن يرضوا أن يُحرموا من هذه النعمة، ولن يتراجعوا عن دور تاريخي ما زال يشكل أحد أهم وجوه نصرة الأقصى وإحيائه، بل سيواصلون عمارة المسجد وشد الرحال إليه، وفاءً لمسؤوليتهم الدينية والتاريخية والحضارية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الإحيائي الذي اضطلع به قادة المشروع الإسلامي في الداخل، وهو دور ستسجله صفحات التاريخ بوصفه أحد المحطات المفصلية في إعادة إحياء الوعي تجاه المسجد الأقصى وقضيته. فقد أسهمت المشاريع والبرامج المختلفة، والرسائل الجماهيرية، والخطابات التي خاطبت الوجدان الجمعي، في رفع مستوى الوعي وصناعة حالة من الارتباط الدائم بالأقصى، أعادت تذكير الناس – ولا سيّما فلسطينيي الداخل وأهل القدس – بدورهم التاريخي وبما يحظون به من شرف القرب المكاني والجغرافي من المسجد الأقصى المبارك، خاصة في ظل أصعب المراحل التي مر بها، ومع تصاعد محاولات الاحتلال تغيير الواقع القائم فيه وفرض وقائع تهويدية جديدة. كما أسهم هذا الحراك في كشف أبعاد المشروع الصهيوني الذي يستهدف المسجد الأقصى، وما يحظى به من دعم سياسي ودولي في بعض الأوساط التي باتت تعلن صراحة تأييدها لمشاريع تمس بوجود المسجد وهويته.
وفي هذا السياق، لا يتوقف الواجب عند الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد ليشمل الأمتين العربية والإسلامية، اللتين يقع في قلبهما ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يليق بهذه الأمة أن تكتفي بموقع العجز أو بالمراقبة الصامتة وإبداء القلق، فهذه لغة المؤسسات الدولية الشكلية والرمزية، العاجزة والمنحازة، وليست لغة أمة يرتبط وجدانها وعقيدتها بالمسجد الأقصى، الذي ما تزال آية من كتاب الله تُتلى في شأنه وهو يرزح تحت الاحتلال ويتعرض لأشد الهجمات منذ احتلاله عام 1967. وإذا كانت الخطابات والبيانات المناصرة للأقصى ورافضة للاحتلال تُواجه في مراحل سابقة بالاستخفاف أو التقليل من أثرها، فإن الواقع اليوم يكشف تراجعًا ملحوظًا حتى في هذا الحد الأدنى من الحضور السياسي والإعلامي، حيث لم تعد تُسمع بذات الزخم الذي كان يعبر، على الأقل، عن بقاء القضية في وجدان الأمة واهتمامها العام.
لذا فإن استعادة دور الفعل والموقف غدت ضرورة دينية وسياسية وأخلاقية تعيد وضع المسجد الأقصى في مركز الاهتمام العربي والإسلامي، بما ينسجم مع مكانته الدينية والتاريخية، ويحول دون تحويل قضيته إلى شأن محلي معزول يُترك أهله وحدهم في الميدان.
وعودة إلى دور الفلسطينيين في الداخل وأهل القدس، فإنهم ما يزالون متمسكين بدورهم التاريخي وبالشرف الذي يحظون به في عمارة المسجد الأقصى رغم تعاظم التحديات، إذ تتجلى خطورة المرحلة في استمرار حملات الإبعاد التي تجاوزت ألف مبعد فلسطيني من القدس والداخل، إلى جانب حالات الاعتقال والإبعاد المرتبطة بالدعوة إلى الاعتكاف. وتعكس هذه الإجراءات توجهًا نحو ضبط الحضور الديني في المسجد الأقصى بصورة مسبقة ضمن سياسة استباقية ذات أبعاد أمنية وسياسية، تهدف إلى إدارة الفضاء الديني والوطني في القدس خلال شهر يشهد حضورًا جماهيريًا واسعًا، بما لا يمكن فصله عن محاولات فرض معادلات جديدة تقوم على تقليص الحضور الفلسطيني وتنظيمه أمنيًا والحد من طابعه الجماعي، في سياق صراع مستمر على هوية المكان ووظيفته الدينية والوطنية، خاصة في الفترات المفصلية وفي مقدمتها شهر رمضان.
وفي المحصلة، يبقى شهر رمضان لحظة تتجدد فيها العلاقة بين الإنسان ومقدساته، وبين الأمة وقضاياها الكبرى، حيث لا تنفصل العبادة عن رسالتها ودورها، ولا ينفصل الحضور في المسجد الأقصى عن حماية هويته وصون مكانته. وقد أثبتت التجربة أن عمارة الأقصى لم تكن يومًا فعلًا عابرًا، بل كانت على الدوام فعل وعي وصمود واستمرار، حمله الفلسطينيون في الداخل وأهل القدس عبر حضورهم اليومي، وأسهم في إبقاء المسجد حيًا في الوجدان الإسلامي العام. 
ومع تجدد التحديات، تتجدد الحاجة إلى استعادة هذا الوعي، فالأقصى كان وسيبقى ميدانكم الأول يا أهل القدس والداخل، والمكان الذي يتجلى فيه الرباط بالفعل لا بالقول. وفي رمضان يكتسب الأقصى خصوصية مختلفة، حيث تجتمع بركة الزمان مع بركة المكان، ويتحول الحضور فيه إلى رسالة إيمان وهوية ووجود، تؤكد أن ارتباط المسلمين بمقدساتهم ليس ارتباطًا موسميًا، بل عهد متواصل لا ينقطع، ما دام في هذه الأرض من يعمر الأقصى ويحفظ حضوره ويصون مكانته. 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة