كسر الستاتيكو: الأقصى بين توازنات القرن التاسع عشر ومشروع الهيمنة الراهن. 

الشيخ د. كامل
نُشر: 19/02/26 19:25

من التدويل الوقائي إلى فرض الوقائع: كيف يُعاد تشكيل "الوضع الراهن" خطوةً خطوه

                       الشيخ د. كامل ريان 
                          رئيس مركز أمان

لم تكن “المسألة الشرقية” مجرد توصيف أوروبي لانحدار الدولة العثمانية، بل كانت منظومة إدارة دولية لصراعٍ على الإرث، حيث تلاقت المصالح الكبرى حول سؤالٍ واحد: كيف يُمنع انهيار الإمبراطورية من أن يتحول إلى فرصة لانفراد قوةٍ بعينها بالسيطرة على قلب الشرق ومفاصله الدينية والاستراتيجية؟ في هذا السياق اندلعت حرب القرم، لا بسبب مفاتيح كنيسة أو خلافٍ طقسي محدود، بل لأن النزاع حول الأماكن المقدسة كان المدخل الرمزي لصراعٍ أعمق على السيادة والنفوذ. وعندما وُقّعت معاهدة باريس عام 1856 لم يكن الهدف إنصاف العثمانيين بقدر ما كان إدخالهم في نظام توازنٍ أوروبي يمنع سقوطهم المفاجئ ويمنع، في الوقت ذاته، انفراد روسيا أو غيرها بوراثتهم. منذ تلك اللحظة أصبح تدبير الشأن الديني في القدس جزءًا من معادلة دولية، وأضحت الأماكن المقدسة مساحةً يُختبر فيها ميزان القوة لا مجرد ترتيبات عبادة.

هذا المنطق لم يختفِ بسقوط الامبراطوريه ، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال جديدة. بعد عام 1967 انتقلت السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، لكن ما سُمّي “الوضع الراهن” في المسجد الأقصى لم يُلغَ، بل أُعيدت صياغته في بنية مركّبة تجمع بين سيطرة أمنية إسرائيلية وإدارة دينية أردنية، في ظل حساسية إسلامية ودولية واسعة. بدا الأمر وكأن منطق 1856 قد عاد بصيغة معاصرة: منع الانفجار الشامل عبر إبقاء الترتيب الديني قائمًا، ولو تحت سيادةٍ مفروضة. كان الستاتيكو هنا أداة احتواء، يوازن بين القوة الميدانية والشرعية الدينية، ويؤجل الحسم بدل أن يحسم.

غير أن زيارة أرئيل شارون للأقصى عام 2000 كشفت هشاشة هذا التوازن. لم تكن الزيارة مجرد خطوة سياسية، بل إعلانًا رمزيًا عن أولوية خطاب السيادة على خطاب الإدارة الحساسة. اندلاع المواجهات آنذاك أظهر أن تغيير الإشارات الرمزية في الأقصى يمكن أن يشعل الإقليم بأسره، وأن الستاتيكو ليس نصًا إداريًا جامدًا بل عقدًا ضمنيًا بين قوى متعددة، داخليًا وخارجيًا.

في السنوات الأخيرة، ولا سيما في ظل سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، انتقل التعامل مع الأقصى من إدارة التوازن إلى اختبار حدوده. تقديم ساعات دخول المستوطنين إلى السادسة والنصف صباحًا لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا تقنيًا، بل باعتباره تعديلًا زمنيًا في جوهر الستاتيكو، أي في البعد الذي ينظم من يملك المبادرة في الفضاء المقدس ومتى يمارسها. الزمن في الأقصى ليس مسألة تنظيمية؛ إنه تعبير عن السيادة. وكل تغيير في الزمن هو إعادة توزيع للسلطة الرمزية على المكان.

هنا تتضح الاستمرارية العميقة بين المسألة الشرقية والواقع المعاصر. في القرن التاسع عشر كانت القوى الأوروبية تتذرع بحماية الطوائف لتبرير تدخلها في جسد الإمبراطورية، واليوم تُستخدم مفردات “حرية العبادة” و“المساواة” لتبرير إعادة تشكيل الوقائع في ساحات الأقصى. لكن الفارق أن التدويل الوقائي الذي ساد بعد معاهدة باريس كان يهدف إلى منع الانفراد، بينما تكشف السياسات الراهنة عن سعيٍ حثيث إلى تكريس الانفراد عبر التدرّج البطيء، وتغيير التفاصيل الصغيرة التي تتراكم حتى تُحدث انقلابًا في المعادلة الكبرى.

إن الاحتلال لا يعلن إلغاء "الوضع الراهن "دفعةً واحدة، لأنه يدرك حساسية المكان إقليميًا ودوليًا، بل يعمل على تفكيكه تدريجيًا: توسيع أوقات الدخول، تكريس حضورٍ دائم، إعادة تعريف الصلاحيات الأمنية، وإعادة إنتاج الخطاب القانوني بما يمنح التغيير مظهرًا إداريًا محايدًا. هذه السياسة تقوم على مبدأ الإنهاك البطيء للقاعدة التاريخية التي استقرت منذ العهد العثماني، والتي حمت – ولو نسبيًا – التوازن الديني في القدس.

بهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم ليس حادثة معزولة، بل حلقة في مسارٍ طويل بدأ مع المسألة الشرقية حين تحولت الأماكن المقدسة إلى ساحة اختبارٍ للتوازن الدولي. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن التوازن الذي سعت إليه معاهدة باريس كان يهدف إلى منع الانفجار عبر ضبط الأطراف، بينما تكشف سياسات الاحتلال المعاصرة عن عملٍ دؤوب لكسر الضبط ذاته، واستبداله بوقائع تُفرض بقوة السيطرة. وهكذا يتحول الستاتيكو من آلية حماية إلى هدفٍ للهدم التدريجي، وتنكشف السياسات القائمة بوصفها مشروعًا منظمًا لإعادة صياغة السيادة في الأقصى، خطوةً إثر خطوة، حتى يصبح التغيير أمرًا واقعًا لا يحتاج إلى إعلان

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة