أصبح الدم العربي في إسرائيل مادة يومية في نشرات الأخبار. لم يعد القتل حدثًا استثنائيًا، ولا صدمة تهزّ المجتمع، بل تحوّل إلى روتين قاتم: شاب يُقتل برصاص شرطي، آخر برصاص جندي، وثالث برصاص مستوطن أو مجرم يتجوّل مطمئنًا. هذا ليس “تدهورًا أمنيًا” ولا “سوء حظ”. هذا واقع كامل، منظومة كاملة، عقلية كاملة تقول بوضوح: حياة العربي رخيصة، ويمكن إنهاؤها بلا خوف من المحاسبة.
قصة شريف حديد من دالية الكرمل مثال صارخ. خلاف مروري عابر على شارع 6 انتهى بإعدام ميداني. جندي اسرائيلي في إجازة يقرر أن رصاصة في صدر شريف هي الحل الأسرع. لا خطر حقيقي، لا تهديد، لا منطق. فقط رصاصة تنطلق بسهولة لأن من يقف أمامه عربي. شريف قاد سيارته المصابة حتى انهار، وكأن جسده كان يرفض الاعتراف بأن حياته انتهت بسبب غضب مسلّح لا يعرف حدودًا.
قصة ديار العمري من صندلة لا تختلف كثيرًا. شاب أعزل، يحاول الابتعاد، يواجه مستوطنًا مسلّحًا يرى في العربي خطرًا حتى لو كان أعزل، حتى لو كان يرفع يديه، حتى لو كان يحاول النجاة. الفيديوهات كشفت الحقيقة: ديار لم يكن تهديدًا، بل كان ضحية عقلية ترى أن حياة العربي قابلة للإلغاء بلمح البصر. رصاصة واحدة كانت كافية لإنهاء حياته أمام أصدقائه.
أما أحمد أشقر من كابول، فقُتل بيد الشرطة. الرواية الرسمية جاهزة دائمًا: “شكّل خطرًا”. لكن الشهود وعائلته قالوا بوضوح إن إطلاق النار كان مبالغًا فيه، وإنه كان يمكن السيطرة عليه دون قتله. هذه الجملة – “كان يمكن السيطرة عليه” – تتكرر في كل حادثة تقريبًا، لكنها لا تغيّر شيئًا. لأن النتيجة واحدة: العربي يُقتل، والشرطة تبرّر، والملف يُغلق أو يتآكل في الأدراج.
وما يزيد الغضب اشتعالًا هو أن هذه الجرائم لا تنتهي عند لحظة إطلاق النار، بل تمتد إلى ساحات القضاء حيث تتكشّف الفجوة الهائلة بين دم العربي وبين قيمة العدالة في هذه البلاد. في قضية ديار العمري، ورغم وجود توثيق مصوّر وشهادات واضحة، اختارت المحكمة إدانة القاتل بتهمة مخفّفة، وكأن حياة ديار لا تستحق توصيف “القتل العمد”. العائلة تستعد للاستئناف، لكن التجربة تقول إن الطريق طويل، وأن النظام القضائي لا يتعامل مع دم العربي بالصرامة نفسها التي يُظهرها في قضايا أخرى.
أما في قضية شريف حديد، فقد قُدّمت لائحة اتهام بتهمة القتل العمد ضد الجندي الذي أطلق النار عليه، وهي خطوة نادرة في مثل هذه الملفات. لكن التجربة المريرة مع عشرات القضايا السابقة تجعلنا نتساءل: هل ستصمد هذه التهمة حتى النهاية، أم ستتآكل تدريجيًا كما حدث في ملفات كثيرة قبلها؟ هل سيبقى القاتل خلف القضبان، أم سيجد النظام القضائي طريقًا لتخفيف العقوبة كما اعتاد؟
وفي قضية أحمد أشقر، لا يتوقع أحد أن تُحاسَب الشرطة. التجربة واضحة: في السنوات الخمس الأخيرة وحدها، قُتل أكثر من 35 مواطنًا عربيًا برصاص الشرطة أو في عمليات نفّذتها وحداتها الخاصة، ومع ذلك لم يُدن أي شرطي بالسجن الفعلي في أي من هذه الحالات. معظم الملفات أُغلقت بذريعة “الخطر” أو “الدفاع عن النفس”، وكأن حياة العربي تُختزل دائمًا في جملة جاهزة تبرّر كل شيء.
هذه الأرقام ليست مجرد معطيات؛ إنها شهادة دامغة على أن العربي في إسرائيل يعيش خارج مظلة الحماية القانونية. عندما تتكرر الحوادث بهذا الشكل، وبهذه الوتيرة، وبهذا التشابه، لا يمكن لأي عاقل أن يصفها بأنها “استثناءات”. نحن أمام ظاهرة، أمام نمط، أمام رسالة واضحة: العربي في إسرائيل يمكن قتله بسهولة… ومن يقتله يعرف غالبًا أنه لن يدفع الثمن.
المجتمع العربي اليوم يعيش بين فكي كماشة: عنف رسمي يقتله باسم “الأمن”، وعنف إجرامي يقتله باسم “الهيمنة”، ودولة تقف في المنتصف بلا إرادة حقيقية لحماية مواطنيها العرب. الشرطة لا تحميه، وفي كثير من الأحيان تشكّل خطرًا عليه. الدولة لا تردع المجرمين، ولا تحاسب أفرادها حين يخطئون. وفي هذا الفراغ، يصبح الدم العربي هو الثمن الأسهل.
شريف، ديار، وأحمد ليسوا مجرد أسماء. هم ثلاثة وجوه لواقع واحد. ثلاثة شباب كان يمكن أن يكونوا بيننا اليوم لو كانت حياتهم تُعامل بالقيمة نفسها التي تُمنح لغيرهم. لكن رسالتهم بعد رحيلهم أوضح من أي خطاب:
دمنا ليس مباحًا. حياتنا ليست أقل قيمة. وصمتنا لن يستمر.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency