تنهش الأخطار والمشاكل الاجتماعية مجتمعنا من كل جهة، وتهدد أركانه واستقراره، وكأنها لا تعني سلطاتنا المحلية ولا الأحزاب الفاعلة فيه، لانشغال الكثيرين منهم فقط بالقضايا السياسية وترك القضايا الاجتماعية تتفاقم دون علاج جذري.
إن ما يشهده مجتمعنا العربي في الداخل – من مظاهر عنف وجريمة وفوضى، لم يعد أمرا يمكن السكوت عنه أو الاكتفاء حياله بالبيانات والخطابات والمظاهرات .50 قتيلا منذ بداية سنة 2026 , مشاكل كثيرة تنشأ أحيانا لأسباب تافهة، وأحيانا لأسباب جدية، لكنها في الحالتين تجد نفسها دون معالجة حقيقية من أي جهة مسؤولة. مشاكل الشباب الصغار تحدث بكثرة نتيجة إهمال التربية، وضعف الرقابة، وتراجع سلطة الأهل والمدرسة، بل وحتى ضعف هيبة القانون. هؤلاء الشباب لا يجدون من يصغي إليهم، ولا من يحتوي طاقاتهم أو يعالج أزماتهم، فينجر بعضهم إلى مسارات خطيرة بالانضمام الى عصابات الإجرام التي تهدد مستقبلهم ومستقبل المجتمع بأسره.
أينما توجهنا في قرانا ومدننا، نجد مظاهر خطيرة تهدد أمن المجتمع وتكاد تعصف به، دون حراك فعلي ومدروس. هذه المشاكل، إن لم تُعالج وفق منهج علمي وعملي، عبر تفعيل مكاتب الخدمات الاجتماعية أو استحداث مكاتب للإصلاح الاجتماعي في كل قرية ومدينة عربية، فإنها تتفاقم وتصل إلى كل بيت، ولن يسلم منها أحد.
لقد فقد مجتمعنا كثيرا من المعايير الاجتماعية والقيم والوازع الديني والانضباط والاحترام التي كانت في الماضي تضبط سلوك الأفراد. وحلت محلها المزاجية وقلة الأدب والاستهتار. شوارع قرانا تعج بالفوضى؛ لا ممرات مشاة واضحة، ولا إشارات مرورية كافية، والسيارات تسير بسرعة فائقة داخل أزقة ضيقة مكتظة بالأطفال. يقود البعض مركباتهم بلا إدراك لخطورة تصرفاتهم، وكأن الأرواح لا قيمة لها.
ومن أخطر الظواهر انتشار الأسلحة المهربة في بلداتنا التي تقدر بمئات الاف ، حتى أصبح أي خلاف يحل بالسلاح وإطلاق الرصاص، وسقط نتيجة ذلك ضحايا أبرياء. هذه الظاهرة تتطلب موقفا حازما، وعلى رؤساء السلطات المحلية أن يمارسوا ضغطا حقيقية على الجهات الرسمية والشرطة كالاضراب الشامل والمفتوح لاجبار الشرطة اتخاذ كل الإجراءات القانونية الصارمة للحد من انتشار السلاح وملاحقة تجاره وعلاج الجريمة .
ولا تقل خطورة عن ذلك ظاهرة تعاطي المخدرات والاتجار بها، التي انتشرت بصورة مقلقة في مجتمعنا وهناك علاقة وثيقة بين انتشار المخدرات وارتكاب الجرائم . فالمخدرات تفتك بالشباب، وتدمر العائلات، وتُسقط القيم، و تستنزف الأموال، وتؤدي إلى أمراض جسدية ونفسية خطيرة. للشباب ومع ذلك، لا نرى برامج علاجية وتأهيلية جدية بحجم الكارثة.
إن الأخطار التي ذكرتها ما هي إلا جزء من منظومة مشاكل أوسع، تتطلب من السلطات المحلية قدرا كبيرا من الحكمة والجدية، ووضع خطط علاجية شاملة. كما يجب المطالبة بإعطاء سلطاتنا المحلية، في ظل تقصير الجهات الرسمية، صلاحيات أوسع وميزانيات كافية لمواجهة هذه التحديات، لأن الأوضاع الاجتماعية في تفاقم مستمر.
إن علاج ظاهرة الجريمة في مجتمعنا العربي ليس بالندوات والمؤتمرات والمظاهرات فقط، بل برسم خطة علاجية شافية وعملية، تبدأ بإجراء مسح مهني في كل قرية ومدينة لرصد الشباب المنحرفين، ومثيري الفوضى، ومتعاطي الممنوعات على اختلاف أنواعها، والعمل على علاجهم وتأهيلهم وإعادتهم إلى حضن المجتمع، بدل إهمالهم ونبذهم.
كما يجب معالجة أوضاع العائلات المفككة والمهدومة، والاهتمام بأبنائهم حتى لا ينزلقوا إلى الانحراف مستقبلًا، وذلك عبر تفعيل مكاتب الخدمات الاجتماعية وتوسيع دورها. ومن الضروري أيضا منع تسرب الطلاب في سن مبكرة من مقاعد الدراسة، لأن الأبحاث تشير إلى أن نسبة منهم قد تنجرف نحو الجريمة لاحقا إذا لم يتم احتواؤهم مبكرا.
فإذا طُبّق هذا البرنامج العلاجي الشامل في كل بلدة ومدينة، وبمشاركة حقيقية بين الأهل، والمدارس، والسلطات المحلية، والمؤسسات المهنية، فإننا سنتمكن من تقليص ظاهرة العنف والجريمة بشكل ملموس، وإعادة الأمن والاستقرار إلى مجتمعنا.
المشاكل الاجتماعية كثيرة جدا ومتراكمة بدون حلول ، والحلول السطحية لا تكفي. وما لم نتحرك السلطات المحلية بخطة علمية وعملية واضحة، فإن المظاهرات والندوات ستبقى كلمات وصورا، بينما يستمر القتل وتتفاقم الأوضاع الاجتماعية سواء ونزيف الدم يستمر في شوارعنا وبلداتنا .
الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency