استفحال العنف في المجتمع العربي وضرورة التحرك العاجل

خالد خليفة
نُشر: 12/02/26 10:19

منذ مطلع هذا العام، وصل عدد ضحايا الجريمة في المجتمع العربي إلى 44 قتيلاً، وفي حال استمرت وتيرة القتل والجريمة الغير مبررة على هذا النحو فإننا قد نواجه رقماً يتجاوز 400 ضحية مع نهاية عام 2026. ان هذا الرقم ليس مجرد إحصائية صادمة، بل هو إنذار وجودي يهدد نسيج مجتمع كامل. فنحن أمام واقع غير مسبوق، يُعد من أعلى معدلات القتل في العالم نسبةً إلى عدد السكان، وهو واقع لا يمكن تبريره أو التعايش معه أو اعتباره قدراً مكتوباً.
وما يزيد خطورة المشهد أن هذه الجرائم لا ترتبط بصراعات أهلية أو طائفية أو قومية. فالمجتمع العربي في الداخل يكاد يكون مجتمعاً متجانساً، تجمعه الروابط العائلية والوطنية والتاريخ المشترك. ومع ذلك، تتفشى فيه جرائم قتل يومية بلا أهداف واضحة أو مشاريع سياسية أو صراعات أيديولوجية. إنها جرائم عبثية، تترك خلفها دماراً اجتماعياً ونفسياً عميقاً، ولا تحقق سوى مزيد من الفوضى والخوف وانعدام الثقة.
والأخطر من ذلك هو الشعور العام بأن هناك “خطاً أصفر” غير معلن، تُرتكب داخله الجرائم دون أن تتجاوزه إلى خارج البلدات العربية. وكأن العنف محاصر داخل حدود مدننا وقرانا، لا يمتد إلى المدن اليهودية. ان هذه الحقيقة تطرح تساؤلات صعبة حول دور أجهزة إنفاذ القانون. فبينما نرى سرعة في كشف الجرائم في المجتمع اليهودي، وملاحقة الجناة خلال ساعات، نجد تقاعساً واضحاً عندما يتعلق الأمر بضحايا المجتمع العربي.
الشرطة التي تضم أكثر من 32 ألف عنصر في البلاد، تدّعي نقصاً في المعدات الموارد والقوى البشرية، لكنها في الوقت ذاته تنجح في فرض النظام بسرعة في أماكن أخرى. في بلداتنا، نجد محطات شرطة وعشرات العناصر، لكن نشاطهم يتركز غالباً في المخالفات والغرامات، لا في تفكيك شبكات الإجرام أو جمع السلاح أو حماية المواطنين. هذا التناقض لم يعد مقبولاً، بل أصبح دليلاً على خلل بنيوي في التعاطي مع الجريمة داخل المجتمع العربي.
لكن تحميل الحكومة المسؤولية، رغم ضرورته، لا يعفينا من مسؤولياتنا الداخلية. القيادات العربية، وعلى رأسها المجالس المحلية ولجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، مطالَبة بإعادة صياغة استراتيجيتها بالكامل. الاحتجاجات مهمة، لكنها غير كافية إذا لم تُرفق بخطط عمل منهجية ومستمرة.
المطلوب اليوم هو إقامة لجان شعبية فاعلة في كل بلدة ومدينة، تعمل على معالجة النزاعات المحلية قبل تفاقمها، وتنسق مع المجالس المحلية والقيادات المجتمعية. كما يجب أن تعقد اجتماعات شهرية دورية بين رؤساء المجالس في بلدة مختلفة كل مرة، يُعرض فيها تقرير مفصل عن واقع الجريمة، والإجراءات المتخذة، والتحديات القائمة. الشفافية والمحاسبة عنصران أساسيان في استعادة ثقة الناس.
وإلى جانب ذلك، يجب على أعضاء الكنيست العرب والذين يجتهدون كثيرا في هذا المضمار العمل على ممارسة ضغط سياسي حقيقي وممنهج من اجل المطالبة بإقالة القيادات المسؤولة عن ملف الأمن القومي المسؤول عن الفشل في مواجهة الجريمة. ولا يكفي الخطاب الإعلامي حيث ان الاعلام الإسرائيلي بغالبيته لا يعطي للجريمة ولحياة الانسان العربي أي اهتمام في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها مجتمعنا والمطلوب في هذه الحقبة المصيرية تحرك برلماني وقانوني واضح، وربط استمرار التعاون السياسي بوجود خطة حكومية ملموسة لوقف نزيف الدم.
وإذا استمرت حالة التقاعس، فإن التوجه إلى المحافل الدولية يصبح خياراً مشروعاً. وتجارب دول مثل المكسيك وكولومبيا والسلفادور أثبتت أن الجريمة المنظمة ليست قدراً أبدياً، بل يمكن كبحها بإرادة سياسية واضحة وخطة متكاملة. فعندما تتخذ الدولة قراراً حقيقياً بمواجهة الجريمة، فإنها تمتلك الأدوات لفعل ذلك.
والمجتمع العربي يقف اليوم عند مفترق طرق خطير. استمرار هذا المسار يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من التفكك، وربما انهيار الثقة بمؤسسات الدولة بالكامل. أما التحرك السريع والمنظم، داخلياً وخارجياً، فيمكن أن يغير المعادلة.
المعركة ضد العنف ليست قضية أمنية فحسب، بل قضية وجود وهوية ومستقبل. والوقت لم يعد في صالحنا. كل يوم يمر دون خطة واضحة هو يوم يُضاف فيه اسم جديد إلى قائمة الضحايا. المطلوب الآن شجاعة في القرار، ووضوح في الرؤية، ووحدة في الموقف. فإما أن نتحرك فوراً، أو نترك مجتمعنا رهينة لدوامة الدم التي لا ترحم.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة