قراءة تربوية في معنى التفوّق والنجاح

غزال أبو ريا
نُشر: 01/02/26 23:06

كثيرًا ما يُطلَق الحكم على الطالب في سنواته الدراسية الأولى، وتحديدًا في المرحلة الابتدائية، على أنه “طالب ضعيف”، وكأن هذا الوصف قدرٌ سيلازمه في جميع محطاته التعليمية اللاحقة: الإعدادية، الثانوية، وحتى الجامعة.
هذا النوع من الأحكام المبكرة لا يختزل فقط قدرات الطالب، بل قد يُشكّل عبئًا نفسيًا وتربويًا يرافقه لسنوات طويلة، ويؤثر في ثقته بنفسه، ودافعيته، ونظرته إلى ذاته ومستقبله.

غير أن التجربة التربوية، والواقع الإنساني، يؤكدان أن هذا التصوّر قاصر وغير منصف.

فالضعف الدراسي في مرحلة معينة ليس صفة دائمة، بل هو حالة مؤقتة قد تكون نتاج عوامل متعددة؛ منها النضج المتأخر، أو أساليب تعليم لا تراعي الفروق الفردية، أو ظروف أسرية ونفسية، أو فجوة لغوية، أو غياب المعنى والدافعية.
وهذه العوامل بطبيعتها قابلة للتغيّر، وليست حكمًا نهائيًا على قدرات الطالب.

ومن خلال التجربة، نلاحظ أن كثيرًا من الطلاب يبدأون مسيرتهم التعليمية بتعثّر، ثم يشهدون نقلة نوعية بعد المرحلة الإعدادية أو في المرحلة الثانوية، حين تتضح ميولهم، وتنضج شخصياتهم، ويبدأون بفهم ذواتهم وإمكاناتهم الحقيقية، خاصة إذا وجدوا من يؤمن بهم ويمنحهم الدعم والتوجيه.

وليس هذا الكلام تنظيرًا مجردًا، فالتاريخ الإنساني زاخر بأمثلة لأشخاص لم يكونوا متفوّقين في مراحلهم الدراسية الأولى، بل وُصف بعضهم بالضعف أو الفشل، ثم أصبحوا لاحقًا رموزًا للتميّز والإنجاز.
فألبرت أينشتاين تأخر في الكلام في طفولته، ولم يكن طالبًا متألقًا وفق المعايير المدرسية التقليدية، ومع ذلك غيّر فهم البشرية للفيزياء.
وتوماس إديسون وُصف في طفولته بأنه بطيء التعلم، وفشل في التعليم النظامي، لكنه أصبح أحد أعظم المخترعين في التاريخ.
أما ستيف جوبز، فلم يُكمل تعليمه الجامعي، ومع ذلك أسّس واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في العالم.

هذه الأمثلة لا تهدف إلى تمجيد الفشل، بل إلى التأكيد على حقيقة تربوية جوهرية:
أن المسار الأكاديمي المبكر لا يختصر الإمكانات الإنسانية، ولا يحدد بالضرورة شكل النجاح في الحياة.

وفي هذا السياق، تُتداول قصة – مع التحفّظ على دقتها – عن طالب في علم الاقتصاد لم يتمكّن من اجتياز مساق “مقدمة في الاقتصاد” بسبب شرط علامة النجاح (75)، ففُصل من الجامعة.
لاحقًا، اتجه إلى عالم الأعمال، وأقام شركة ناجحة. وبعد سنوات، أعلنت شركته عن مناقصة لمنصب مدير عام، فتقدّم أحد المرشحين، ليتبيّن أنه نفس المحاضر الجامعي الذي درّسه المساق ولم يمنحه فرصة العبور.

قد لا نعرف مدى وثوقية هذه القصة، لكن الأهم من صحتها هو السؤال العميق الذي تطرحه:
هل العلامة الأكاديمية وحدها معيار للتفوّق؟
وهل الفشل في مساق أو امتحان يعني الفشل في الحياة؟

هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التفوّق.
فالتفوّق ليس رقمًا فقط، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، بل هو قدرة على المبادرة، والإبداع، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية، والقيام بعد الفشل، وتحويل التجربة القاسية إلى فرصة للنمو والتعلّم.

المدرسة والجامعة تؤديان دورًا مهمًا في بناء المعرفة والانضباط، لكنهما لا تقيسان الإنسان بكل أبعاده.
فالإنسان أوسع من العلامة، وأعمق من الامتحان، وأكثر تعقيدًا من أي تصنيف مبكر.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح واضحًا أن مشكلة التعليم ليست في الطلاب بقدر ما هي في ثقافة الأحكام السريعة وضيق معايير التقييم.
فالربط بين التعثر المبكر، والأمثلة الإنسانية الناجحة، والتساؤل حول معنى التفوق، يقودنا إلى نتيجة واحدة:
أن التعليم ليس خطًا مستقيمًا، وأن النجاح لا يسير في مسار واحد، وأن دور المؤسسة التربوية هو فتح الاحتمالات لا إغلاقها.

خاتمة

إن التربية الحقيقية لا تُقاس بقدرتنا على فرز الطلاب، بل بقدرتنا على احتضانهم.
ولا تكمن قوة المربي في سرعة إطلاق الأحكام، بل في صبره على اكتشاف الإمكانات الكامنة خلف التعثّر.

فلنمنح طلابنا الحق في الخطأ، وفسحة للنمو، وزمنًا للنضج.
ولنؤمن أن الطالب الذي لم يجد ذاته اليوم، قد يصنع غدًا فارقًا حقيقيًا في مجتمعه، إذا وجد من يثق به، ويوجّهه، ويمنحه الأمل بدل الوصم.

فليس كل متفوّق ناجحًا في الحياة،
ولا كل متعثّر عاجزًا عن التميّز.
والتفوق الحقيقي يبدأ حين نرى الإنسان قبل العلامة، والقدرة قبل الحكم، والمسار قبل اللحظة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة