تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث.. جميل السلحوت: من قداسة الذاكرة إلى مساءلة السلطة

رانية مرجية
نُشر: 31/01/26 13:34

أخطر ما يواجه الموروث الشعبي الفلسطيني اليوم ليس محاولات طمسه أو مصادرته، بل تحويله إلى يقينٍ مغلق، وإلى منطقة محرّمة على السؤال. فالموروث، حين يُنزَع من سياقه التاريخي ويُقدَّم بوصفه “حقيقة مكتملة”، يتحوّل من طاقة ثقافية حيّة إلى أداة ضبطٍ رمزية: تُسكّن الوجع بدل أن تفسّره، وتُجمّل القهر بدل أن تكشفه.

في الأدب الفلسطيني الحديث، لم يعد استدعاء التراث الشعبي فعلًا بريئًا أو محايدًا. لقد أصبح ساحة اشتباك بين الذاكرة والتاريخ، بين الهوية والسلطة، وبين الحاجة إلى الانتماء وضرورة النقد. من هنا، ينهض مفهوم تفكيك الموروث لا بوصفه قطيعة مع الذاكرة، بل بوصفه فعلًا تحرريًا يعيد للذاكرة وظيفتها النقدية، ويمنع تحويلها إلى جهاز أيديولوجي يُصادر الإنسان باسم الجماعة.

ضمن هذا الأفق، تبرز تجربة جميل السلحوت بوصفها واحدة من أكثر التجارب الفلسطينية وعيًا بخطورة التراث حين يُقدَّس، وبطاقته حين يُسائل. فالسلحوت لا يكتب الموروث من موقع الحنين، بل من موقع المساءلة العميقة: مساءلة الحكاية، والعرف، والخرافة، واللغة الشعبية، بوصفها أنساقًا ثقافية تعمل في العمق الاجتماعي، وتعيد إنتاج علاقات القوة بصمت.

الموروث الشعبي: من الذاكرة إلى الخطاب

الخطأ الشائع في مقاربة التراث الشعبي يكمن في التعامل معه بوصفه “أصلًا” صافياً خارج التاريخ. والحقيقة أن الموروث ليس مادة خامًا، بل خطابٌ تشكّل داخل شروط اجتماعية محددة: مجتمع فلاحي، بنى أبوية، اقتصاد ندرة، وأخلاق جماعية جعلت من الصبر والامتثال فضيلتين عليا. لذلك، فإن الحكاية الشعبية والمثل والعرف ليست مجرد تعبيرات ثقافية، بل أدوات تفسير للعالم، ووسائل تكيّف، وأحيانًا تبرير للهيمنة.

ينطلق جميل السلحوت من هذا الوعي المبكر، وهو ما يظهر بوضوح في أعماله البحثية الأولى التي تناولت الحكاية الشعبية من زاوية الصراع الطبقي والمضامين الاجتماعية والقضاء العشائري. هذه ليست عناوين توثيقية، بل مداخل تحليلية تنقل التراث من فضاء “البراءة” إلى فضاء السؤال:

من يتكلم في الحكاية؟ من يُقصى؟ من ينتصر دائمًا؟ ولماذا؟

من جمع الحكاية إلى محاكمتها

ما يميز مقاربة السلحوت أنه لا يكتفي بجمع المادة الشعبية أو إعادة سردها، بل يضعها موضع محاكمة ثقافية. فالحكاية الشعبية، في قراءته، ليست مرآة بريئة للمجتمع، بل نصٌّ يعكس علاقات القوة داخله، ويعيد إنتاجها عبر البلاغة والحكمة والخاتمة المطمئنة.

وحين يتناول العرف—كما في اهتمامه بالقضاء العشائري—فهو لا يراه تقليدًا اجتماعيًا فحسب، بل سلطة موازية تُمارس العقاب والتبرئة باسم الجماعة، وتحصّن نفسها أخلاقيًا ضد النقد. هنا يتكشّف التراث بوصفه بنية ضبط اجتماعي، لا مجرد ذاكرة.

السرد بوصفه مختبرًا للتفكيك

في انتقاله إلى الرواية، لا يتخلى السلحوت عن مشروعه التفكيكي، بل يمنحه بعده الإنساني الأعمق. فالسرد يتيح له اختبار أثر الموروث داخل الحياة اليومية، لا بوصفه فكرة، بل بوصفه قوة تُشكّل الوعي والخوف والقرار.

في نص مثل «حمروش»، تُفكَّك الخرافة من داخلها: مغارة يُشاع أنها مسكونة، ووليّ تُنسب إليه الكرامات، وجماعة تعيش الخوف بوصفه معرفة موروثة. لكن انكشاف الوهم—حين يتبين أن “الولي” ليس سوى جمجمة حمار—لا يؤدي إلى تحرر كامل، بل إلى حلٍّ تكيّفي: إغلاق المغارة.

هذه النهاية ليست تفصيلًا سرديًا، بل خلاصة ثقافية دقيقة: المجتمع لا يتخلى عن أوهامه بسهولة، بل يعيد إنتاجها بصيغ أقل فجاجة. التفكيك هنا لا يمنح خلاصًا جاهزًا، بل يكشف آليات الدفاع التي يبديها الوعي الجمعي حين تهتز يقينياته.

وفي روايات أخرى، تتجلى اللغة الشعبية—ولا سيما الأمثال—بوصفها أداة عنف رمزي. فالمثل، الذي يُفترض أن يكون خلاصة حكمة، يتحول إلى وسيلة تنميط وإدانة سريعة، خصوصًا حين يتصل بالمرأة أو المختلف. هكذا يكشف السلحوت كيف تعمل “الحكمة الشعبية” أحيانًا كقناع لغوي للرقابة الاجتماعية.

تفكيك “نحن” المغلقة

من أخطر وظائف الموروث حين يتحوّل إلى يقين، أنه ينتج “نحن” جماعية مصمتة: صوتًا واحدًا، ذاكرة واحدة، وتفسيرًا واحدًا للعالم. السلحوت يكسر هذه الوحدة المريحة بإدخال الفرد القَلِق إلى قلب السرد. شخصياته ليست نماذج بطولية جاهزة، بل ذوات مأزومة، تصطدم بما ورثته من قيم حين تكتشف عجزها عن تفسير الواقع أو حمايتها من القسوة.

بهذا المعنى، لا يستهدف التفكيك التراث فحسب، بل وهم الإجماع ذاته؛ فالإجماع، في كثير من الأحيان، ليس علامة صحة، بل نتيجة صمتٍ طويل.

التفكيك بوصفه مقاومة ثقافية

في السياق الفلسطيني، يكتسب تفكيك الموروث بعدًا مضاعفًا. فهو مقاومة لمحاولات الاستعمار اختزال الفلسطيني في صورة فولكلورية جامدة، وفي الوقت نفسه مقاومة لأي خطاب داخلي يسعى إلى تحويل التراث إلى معيار طهارة ثقافية يُقصي المختلفين. بين هذين الفخين، يختار السلحوت طريقًا ثالثًا: الهوية بوصفها سؤالًا مفتوحًا، لا إجابة جاهزة.

إنه يكتب تراثًا بلا قداسة، لا لأن التراث بلا قيمة، بل لأن قيمته الحقيقية تكمن في قابليته للنقد وإعادة التأويل. فالذاكرة التي لا تُسائل نفسها تتحول إلى عبء، والهوية التي لا تسمح بالاختلاف تتحول إلى قيد.

خاتمة

في تجربة جميل السلحوت، لا يُفكَّك الموروث الشعبي ليُلغى، بل ليُستعاد على نحوٍ أكثر صدقًا وإنسانية. إنه تفكيك ينقذ الذاكرة من التحنّط، ويعيدها إلى وظيفتها الطبيعية: وظيفة السؤال.

فالتراث الذي لا يحتمل النقد، لا يصلح أن يكون ذاكرة شعبٍ يقاوم.

٣١-١-٢٠٢٦

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة